الأسير أنس عواد.. أب مكلوم وحلم مؤجل

سعد عواد يستعرض صور نجله الأسير أنس (الجزيرة نت)
سعد عواد يستعرض صور نجله الأسير أنس (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

يوم، اثنان، ثلاثة.. هكذا تتقاطر الأيام في حياة عائلة الأسير الفلسطيني المعلم أنس عوَّاد، وتتركها في حيرة من أمرها، لا تعرف ماذا تعد أو تحصي، أهي أيام الاعتقال الإداري الذي فاق 14 شهرا أم أيام العزل الانفرادي الذي يصارعه وحيدا داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.

ولليوم الـ55 يواصل السجان الإسرائيلي عزل أنس (32 عاما) بإحدى زنازين سجل إيشل، يفرده وحيدا في غرفة لا تزيد عن متر مربع بنيت بهدف تعذيب الأسير فوق اعتقاله، ولا يُسمح له بلقاء ذويه أو محاميه الذي لم يتمكن من ذلك إلا من قريب.

في 28 مارس/آذار الماضي كانت عائلة أنس تنتظر الإفراج عنه بعد عام من الاعتقال الإداري، وقبل الموعد بأسبوع زاره والده سعد عواد بسجن النقب الصحراوي وتناقلا فرحا أخبار الإفراج وحيثياته، وهو ما لم يتحقق.

فقبل تحرره بأيام قليلة ادعى السجانون أنهم أحبطوا عملية طعن خلال أحداث وقعت في السجن، وأن من همَّ بها هو الأسير عوَّاد، وهذا مجاف للحقيقة وفق رواية والده للجزيرة نت، فالأحداث دارت بقسم 22 وابنه كان في قسم 3، وليس ذلك إلا زيادة في عقاب أنس بعد "فشل" الاحتلال بتحقيق ذلك باعتقاله إداريا.

حرمان وتغييب
لكن هذا العقاب لم ينل من عزيمة عائلته وإن ضارها قمع السجَّان له وحرمانها زيارته، فوالده يستميت دفاعا عن نجله، ويقف بجسده النحيل بكل الميادين لينقل معاناته.

يقول والده إن أنس ظهر خلال محاكمته ببنية هزيلة وذقن كثيف وتعلو وجهه كدمات جراء "الاعتداء"، مما جعله يشك لوهلة بأنه ولده، لذلك تركزت مساءلة المحامي خلال المحكمة عن حالته الصحية وعزله "دون استحمام لنحو أربعين يوما وبذات الملابس ودون علاج".

ومنذ ذلك الحين لم ير أنس أيا من أفراد عائلته، وشحت المعلومات عنه إلا ما يستقوه من محاميه بين الحين والآخر أو ما ينقله لهم أسرى محررون، حيث يقصد والده كل أسير يتحرر تحريا لأدنى معلومة عنه.

ويتواصل بكثافة مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية التي تعنى بشؤون الأسرى، لا سيما اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليعرف آخر التفاصيل، وينشط أيضا عبر وسائل الإعلام ليحكي معاناة نجله.

لم يكتف الاحتلال باعتقال أنس إداريا، كواحد من نحو خمسمئة أسير يعتقلون إداريا، بل "لفق" له حسب والده تهما بتشكيله خطرا على دولة الاحتلال.

من مظاهرات متضامنة مع الأسرى بسجون الاحتلال (الجزيرة)

كيد الاحتلال
لكن هدف إسرائيل الحقيقي برأي والده هو محاربة أنس والنيل منه كمعلم متميز، حاز على جائزتين لتحسينه المستوى التعليمي لتلامذته، أهمهما جائزة المعلم المتميز لعام 2017 على مستوى وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وترشحه ليمثل فلسطين عالميا كأفضل معلم.

ورغم ذلك لا يتوانى والده الستيني عن نصرته، ويُطوع قدراته كمعلم متقاعد في حشد الشارع وتجييشه دعما لنجله، مستغلا المناسبات الوطنية وفعاليات التضامن مع الأسرى لفضح الاحتلال وانتهاكاته بحقه.

بحوزة الرجل الذي غزا الشيب رأسه ظرف بلاستيكي لا يفارقه، يحشو بداخله صورا مختلفة لأنس أخذ يستعرضها فوق سطح مكتبه ويقول "أحاول بهذه الصور مؤازرة ابني خلال الفعاليات".

وفي مواقع التواصل الاجتماعي لا يقتصر التضامن مع أنس على والده فحسب، بل يشاركه جُلُّ أفراد العائلة في ذلك، سواء بنشر صوره أو بآخر المعلومات حوله، وكتبت والدته أم أنس على صفحتها "بيني وبين النوم عداوة، كلما هبت نيران قلبي الملهوف أشعر أن ولدي أنس في ضيق".

وبمثل هذه العبارات وبصوره الكثيرة تعج صفحة أم أنس عبر فيسبوك يوميا، وتحاول أن تطفئ بها ظمأً وشوقا لنجلها الأسير، وكذلك يفعل والده عبر مواقع التواصل الاجتماعي يوميا.

أخطر سياسة
وتصف أماني سراحنة مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني العزل في السجون بأنه "أخطر سياسة" تنتهجها إسرائيل ضد الأسير انتقاما منه و"سلبه إنسانيته" وقدرته على التواصل مع الآخرين.

وتقول للجزيرة نت إن بعض الأسرى قضى أكثر من عشر سنوات في العزل، وإن هذا ما دعا الأسرى عام 2012 إلى خوض إضراب مفتوح عن الطعام رفضا لسياسة العزل، الذي بموجبه تم إنهاء "عزل قيادات من الحركة الأسيرة".

وبين أكثر من ستة آلاف أسير فلسطيني يقبعون بسجون الاحتلال، يواجه نحو خمسمئة منهم الاعتقال الإداري، حيث يبقى ملف الاتهام سريا ولا يطلع عليه الأسير أو محاموه.

ومن اعتقال إداري تحول أنس بين ليلة وضحاها لأسير يواجه تهما "بمحاولة الطعن"، ومحاكمة قد تقضي بحبسه فترة طويلة، ورغم ما يخشاه والده، لكنه لا يدخر جهدا لدحض تهم الاحتلال وافتراءاته ضد نجله.

المصدر : الجزيرة