الكوميديا الأليمة.. هكذا يعاني المعتقلون بسجون العراق

ارتفاع عدد المحتجزين والاكتظاظ من أبرز المشاكل بسجون العراق (أسوشيتد برس-أرشيف)
ارتفاع عدد المحتجزين والاكتظاظ من أبرز المشاكل بسجون العراق (أسوشيتد برس-أرشيف)

ليث ناطق-بغداد

من المؤكد أنه لم يصطحب ذكريات شكل الجدران أو القضبان، وحتى الزملاء والسجانين. فصالح الجنابي كان فاقدا للبصر حين اعتُقل هو وأبناؤه الأربعة عام 2008.

نحو أربع سنوات من الاعتقال قضاها الأب والأبناء بعد أن تصدى الأربعة للقوة الأمنية التي اقتحمت منزلهم بعد منتصف ليلة ساخنة بالخوف ودرجة الحرارة، كمحاولة لمنعهم من اعتقال أبيهم ذي الثمانين عاما حينها، بتهمة ضلوعه بأعمال إرهابية وتنفيذه عمليات قنص، وفي هذا كثير من الكوميديا الأليمة، حسب تعبير ابنه يوسف الذي تحدث للجزيرة نت وهو يستذكر ضياع سنوات من عمره وإخوته وأبيه المريض لمجرد تشابه بين اسمي أبيه وشخص آخر مطلوب.

لم تدم حياة الشيخ الكبير بعد خروجه مع أبنائه، فارق الحياة بعدها بثلاث سنوات، وكانت ثلاثا عصيبات أيضا عليه وعائلته "قضى أبي أيام ما بعد الاعتقال يتنقل بين سريره في البيت وعيادات الأطباء، كانت الأمراض تجتاح جسده حتى قتلته" يقول يوسف.

استمرار الخروقات
بعد 16 عاما على الغزو الأميركي للعراق وتبدل النظام فيه، تعود قضية انتهاكات السجون للواجهة، بعد غيابها القصير فقد أصدرت مفوضية حقوق الإنسان مؤخرا بيانا قالت فيه إنها سجلت "خروقات وانتهاكات جسيمة" في عدد من السجون العراقية خلال الفترة الأخيرة، وأهم ما سجلتها المفوضية من نقاط هو ارتفاع عدد المحتجزين واكتظاظ السجون.

في تصريح خص به الجزيرة نت يؤكد عضو المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق ثامر الشمري تسجيل المفوضية عدة ملاحظات خلال زياراتها الرصدية، ويشير إلى أن "أهم ما سجلناه هو الاكتظاظ الكبير لمراكز الاحتجاز ولهذا عواقب منها انتقال الأمراض، إضافة إلى عدم صلاحية أماكن الاحتجاز".

بعد عدة اتصالات امتنعت وزارة العدل عن الرد على ملاحظات مفوضية حقوق الإنسان أو بيانها، لكن مصدرا داخل الوزارة طلب عدم الافصاح عن اسمه قال للجزيرة نت "تفتقر الوزارة للعدد الكافي من المعتقلات خصوصا بعد إغلاق بعضها كسجن بادوش في الموصل، ولا توجد رؤية لحل هذه الأزمة".

زيارة سابقة لوفد دولي لأحد سجون العراق (الجزيرة)

اكتظاظ وأوبئة
لا توجد أرقام صريحة لأعداد المعتقلين لكن تقريرا لمركز بغداد لحقوق الإنسان أعدَّه العام الماضي يبين أن "عدد المعتقلين في جميع السجون العراقية بلغ 38 ألف رجل، وأكثر من تسعمئة امرأة" موضحا في الوقت ذاته أن "وزارة العدل تحجب البيانات الرسمية عن الرأي العام والمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية لتردي حالة المحتجزين الصحية".

وفيما يتعلق بالظروف الصحية للمعتقلين يُعتقد أن الحالة التي يعيشها المعتقلون تعرّضهم للإصابة بأمراض معدية، وفي ظل تردي الخدمة الصحية قد تكون هذه الإصابات خطرة عليهم، وقد سجلت المفوضية بملاحظاتها أن السجون والمعتقلات تفتقر للعدد الكافي من المراكز الصحية الرئيسية والفرعية، وكذلك المفارز الطبية متحركةً كانت أم ثابتة. ليس ذلك فحسب بل هناك "قلة بالموارد المالية والبشرية في المرافق التي تقدم الخدمات الصحية وقلة الاختصاصات الطبية كأطباء العيون والجلدية والنسائية" بحسب الشمري.

عيون دولية
تزامنا مع بيان مفوضية حقوق الإنسان أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بيانا كشفت في تفاصيله عن انتهاكات في السجون العراقية وعمليات تعذيب مورست بحق محتجزين بسجن "الفيصلية" في الموصل بعد استعادتها من تنظيم الدولة.

لم تنكر مفوضية حقوق الإنسان وجود حالات تعذيب في سجون عراقية، لكنها تقر بصعوبة إثباتها لكونها "تحتاج التوثيق الدقيق والسريع" يقول الشمري.

ويضيف "من أسباب صعوبة إثبات التعذيب أن أماكن التحقيق لا يوجد فيها كاميرات مراقبة، إضافة إلى التحفظ على المحتجزين بعيدا عن الرقابة ريثما يتماثلون إلى الشفاء وعدم حضور الادعاء العام أو المحامي أثناء التحقيق".

كما يعاني محتجزون تأخر محاكمتهم، في تجاهل للمادة 109 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بالعراق، والتي تنص على عدم أحقية الحاكم بتوقيف المتهم مدة تتجاوز 15 يوما.

المخبر السري
في تصريح سابق، قال النائب عن لجنة الأمن والدفاع النيابية لطيف الورشان أنّ "سجون البلاد مليئة بالمعتقلين الأبرياء".

يُذكر أن كثيرا من حالات الاعتقال اعتمدت على معلومات ما يعرف بالمخبر السري، وهم أشخاص يقدمون بلاغات سرية عن آخرين، يتم اعتقالهم ومحاكمتهم على أساسها. وشهد العراق حالات من سوء استعمال هذه الطريقة، من خلال استغلالها لتصفية خلافات وأمور شخصية.

ويؤكد مدير إدارة اتحاد الحقوقيين العراقيين جمال العزاوي للجزيرة نت أن تعليمات صدرت في حال اتضح أن الأخبار غير صحيحة أو جاءت بدوافع شخصية وكيدية، يتم الحكم على المخبر بنفس عقوبة ما أخبر عنه، بالتالي تسببت هذه التعليمات بتراجع الاعتماد على المخبر السري.

المصدر : الجزيرة