مراقبة المعتقلين السابقين بمصر.. أن تكون نصف حر

مراقبة المعتقلين السابقين بمصر.. أن تكون نصف حر

الشرطة تستخدم نظام المراقبة لإذلال المعارضين بما يخالف نص القانون (الجزيرة)
الشرطة تستخدم نظام المراقبة لإذلال المعارضين بما يخالف نص القانون (الجزيرة)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

لا يجد الصحفي المصري سامحي مصطفى مبررا يقدمه لطفله الذي يسأله دوما عن سبب غيابه أثناء الليل، إن الأمر يحتاج إلى شرح طويل، فالأب قضى خمس سنوات داخل السجن عقوبة في قضية "غرفة عمليات رابعة"، وبعد الإفراج عنه فوجئ بسجن من نوع آخر.

كل يوم يخرج مصطفى من منزله في محافظة الجيزة، ويقطع مسافة تزيد على مئتي كيلومتر، ليقضي 12 ساعة داخل قسم شرطة بني سويف من السادسة مساء حتى السادسة صباحا، كجزء من التدابير الاحترازية المفروضة عليه بعد خروجه من المعتقل.

نفس المعاناة يتعرض لها الناشط السياسي علاء عبد الفتاح الذي قضى خمس سنوات كعقوبة على المشاركة في مظاهرة سلمية، وتنتظره خمس سنوات أخرى من المبيت في قسم الشرطة 12 ساعة يوميا.

أول تغريدة لعبد الفتاح فور خروجه من المعتقل لم تكن ترد على مباركات الإفراج، بل تتخوف من السجن الجديد، "تبهجني فرحتكم بخروجي من السجن لكن للأسف أنا مش حر، ولا حتى بالمعنى المنقوص للحرية الدارج في بلادنا، أنا بسلم نفسي كل يوم لمهانة ومذلة اسمها المراقبة".


وتقتضي التدابير الاحترازية أو العقوبة التكميلية في مصر إخضاع السجناء أو المحبوسين احتياطيا -الذين يُخلى سبيلهم للمراقبة الأمنية، لقضاء عدد من الساعات في قسم للشرطة يوميا أو كل أسبوع.

هذه التدابير تُستخدم كبديل للحبس الاحتياطي، أو تُفرض كعقوبة تكميلية إلى جانب الحكم القضائي بالسجن.

وخلال عام 2018، رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان إخلاء سبيل 174 متهما على ذمة قضايا على خلفية سياسية مع التدابير الاحترازية، بإلزامهم بالتردد دوريا على أقسام الشرطة التابعة لها.

يقضي المراقَب 12 ساعة يوميا داخل أحد أقسام الشرطة (الجزيرة)

مخالفة للقانون
عقوبة المراقبة تخضع لتنظيم القانون رقم 99 لسنة 1945، الذي يُلزم المُراقَب بأن يحدد لقسم الشرطة الجهة التي يريد اتخاذها محلا لإقامته مدة المراقبة، والتي تبدأ عند غروب الشمس وتنتهي مع الشروق.

ولنقل الفجوة الواسعة بين ما يفرضه قانون المراقبة والتطبيق العملي له داخل أقسام الشرطة، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خلال أبريل/نيسان الجاري، دراسة قانونية بعنوان "محل السكن قسم الشرطة: الوضع تحت مراقبة الشرطة".

أكدت الدراسة أن عدم إعطاء الشخص الخاضع للمراقبة القدرة على اختيار المنطقة التي يريد أن يقيم فيها طوال مدة المراقبة، يعد أمرا مخالفا للقانون المنظم للوضع تحت مراقبة الشرطة وللعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

إذ ينص القانون على أنه في حال عدم قدرة الشخص الواقع تحت المراقبة على أن يتخذ سكنا، أو اتخذ سكنا ترى الشرطة أنه تصعب مراقبته فيه؛ يجوز لقسم الشرطة أن يعين للمُراقَب مكانا يأوي إليه ليلا مثل مقر جمعية أهلية.

ويجيز القانون أن يكون مكان الإيواء ليلا هو قسم الشرطة باعتباره الملاذ الأخير لتحديد مكان المراقبة الليلية، والذي لا يجوز أن تلجأ إليه الشرطة إلا بعد استنفاد كل ما يسبقه من بدائل.

سحق المعارضة
بدورها ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها أن السلطات المصرية تلجأ على نحو متزايد إلى تدابير وصفتها التعسفية والمفرطة، لمراقبة الناشطين كوسيلة لمضايقتهم وفي بعض الحالات كسبيل لحبسهم احتياطيا مرة ثانية.

وقالت نجية بونعيم نائبة مدير قسم الحملات في المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية، إن "إساءة استخدام المراقبة أصبحت آخر أدوات السلطة في مصر لسحق الأصوات المعارضة".

وأضافت أن السلطات المصرية تعاقب الناشطين بفرض شروط مراقبة مفرطة، وفي بعض الحالات مثيرة للضحك، وترقى في بعض الأحوال إلى مستوى الحرمان من الحرية.

والانتهاكات التي يتعرض لها المراقَبون داخل أقسام الشرطة كثيرة، تطرقت إليها دراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومنها إجبار المُراقَب على العمل الجبري داخل القسم أو خارجه، وعدم توفير المكان الملائم لنوم الشخص الخاضع للمراقبة وحرمانه من متعلقاته الشخصية.

وذكرت مواقف تعرض لها مؤسس حركة 6 أبريل المعارضة أحمد ماهر، خلال تجربته مع المراقبة التي دامت ثلاث سنوات.

وقد كتب ماهر على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي تويتر أنه تعرض للإعياء الشديد خلال فترة المراقبة، ورفض قسم الشرطة استدعاء طبيب أو ذهابه به إلى المستشفى.

كذلك تعرض ماهر للترحيل إلى النيابة العامة والحبس يومين متواصلين بسبب تأخره ثلث ساعة فقط على موعد المراقبة بسبب ظروف مرض والدته.

بعد سنوات من السجن يجد المعارضون في مصر أنفسهم أمام سجن من نوع آخر (رويترز)

نصف معتقل
من جهته، قال البرلماني السابق الدكتور عز الدين الكومي إن "الهدف الأصلي من المراقبة هو التأكد من أن المراقَب لا يرتكب أي مخالفات جديدة، والتأكد من انضباطه وحسن سيره وسلوكه".

لكن النظام المصري لا يلتزم ببنود قانون المراقبة ولا الهدف منه وفقا للكومي، الذي اعتبر التدابير الاحترازية بمثابة عقوبة للتنكيل والانتقام من المفرج عنهم من السجناء السياسيين، وغالبا ما تكون هذه العقوبة أشد مرارة من العقوبة الأصلية.

وأضاف للجزيرة نت أن الضباط في أقسام الشرطة يتعمدون إذلال وإهانة المُراقَب بإجباره على تنظيف دورات مياه القسم وتوبيخه وسبه وحبسه في زنازين تشبه الأكشاك الخشبية.

وأردف قائلا "هذه العقوبة تجعل من المفرج عنه نصف حر ونصف معتقل، فالمراقبة تقيد حركة المُراقَب وتُصعب عله إيجاد عمل والسعي وراء رزقه".

المصدر : الجزيرة