مأساة ليلى.. هكذا يدفع أبناء الضحايا ثمن الصراع السياسي بمصر

قصة ليلى وأحاديث الإشارة التي دارت بين والديها عبر مراحل نموها خلقت تعاطفا كبيرا مع ضحايا الإعدام التسعة (مواقع التواصل)
قصة ليلى وأحاديث الإشارة التي دارت بين والديها عبر مراحل نموها خلقت تعاطفا كبيرا مع ضحايا الإعدام التسعة (مواقع التواصل)

أحمد حسن-القاهرة

أحداث يشيب لها الولدان، عايشتها الطفلة "ليلى" التي لم تكمل ربيعها الثالث بعد، فقبيل حرمانها من حضن الأب واجهت عنصرية سياسية مع بداية ظهور أسنانها، لتصبح أيقونة لهؤلاء الذين حرموا عاطفة الأبوة، على خلفية مكايدات سياسية بمصر.

ليلى أحمد طه وهدان المولودة في يونيو/حزيران 2016، ابنة واحد من هؤلاء التسعة الذين أعدمتهم السلطات الأربعاء الماضي، على خلفية قضية اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، حيث شهدت الإعدامات إدانات دولية واسعة وتشكيكا حقوقيا بكونها افتقرت إلى أبسط قواعد العدالة.

قصة ليلى وأحاديث الإشارة التي دارت بين والديها داخل جدران المحكمة على مدار أشهر شهدت مراحل نموها، خلقت تعاطفا كبيرا مع ضحايا الإعدام التسعة، وتساؤلات حول كيفية تغلب أطفال افتقدوا الأمان على هذه التجارب المريرة، خاصة أن الأمر يتعلق أيضا بأبناء ضحايا الجيش والشرطة الذين يسقطون خلال المواجهات المسلحة. 

تنفيذ أحكام الإعدام الأخيرة شهدت انتقادات دولية (الجزيرة)

"ستلعنكم ليلى كل ليلة"
حرمت ليلى من رؤية والدها لنحو عامين كاملين قبل إعدامه، إذ كانت آخر زيارة سمحت بها السلطات لأسرة وهدان في فبراير/شباط 2017 وقت أن كانت الطفلة تحبو في شهرها الثامن.

تركت قصة الطفلة تعاطفا كبيرا بين مؤيدي ومعارضي السيسي، لم تشهده البلاد منذ فض اعتصام رابعة والنهضة صيف 2013.

فالطفلة التي ولدت دون أن ترى والدها المعتقل آنذاك، واجهت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 عنصرية سياسية فوجئت بأنها محرومة من الحضور إلى الحضانة بسبب قضية والدها.

إذ تحدثت والدتها رنا جريش بكلمات تملؤها الحسرة عبر فيسبوك في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن منع ليلى من الاستمرار بحضانتها (التعليمية) بسبب قضية والدها.

ويكتب الوالد الراحل رسالة مؤثرة لابنته قال فيها "بُنيتي، اعلمي يا حبيبة قلب أبيك، أنني لم يرتكب أي جرم أو ذنب، حبيبتي كان همي حمايتك وإيجاد وطن يحميك، وليس مجرد سجن كبير فيه. سامحيني لم أستطع ضمَّك ضمة أخيرة، أو أُقبّل جبينك الطاهر، لكني سأنتظرك هناك على باب الجنة، حيث لا فراق ولا وداع غاليتي، أُحبك".

كانت والدة ليلى ترفعها خلال جلسات المحاكمة حتى يراها أبوها من خلف القضبان تارة لتخبره بقدومها إلى الحياة، فيرسم قلبا دون أن تدري ليلى السياق، وأخرى وهي تشير إلى أسنانها لتخبره ببداية ظهور أسنانها، وذلك بأحاديث الإشارة من بعيد.

وبعد تنفيذ حكم الإعدام، تفاعل آلاف المغردين والنشطاء عبر وسم (ستلعنكم ليلى كل ليلة) بصور رصدت ألم الظلم والحرمان.

وحاولت الجزيرة نت التواصل مع أسرة ليلى، غير أن أفرادا بالأسرة أكدوا صعوبة الأمر أمنيا إذ لم تفرج السلطات عن جثمان الوالد إلا بعد أيام من تنفيذ الحكم. 

أنا أكره الوطن
على غرار معاناة ليلى، وثق مقطع فيديو لأبناء عائشة كريمة القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين خيرت الشاطر، وهم ينادون على والدتهم المعتقلة حاليا، أثناء دخولها جلسة تجديد حبس.

وفي مداخلة هاتفية مع الجزيرة، تحدثت نور (12 عاما) عن والدتها "يقولون لي أن أكتب تعبيرا عن حب الوطن، عن أي وطن؟ أنا أكره وطني، كل من أحبهم أخذوهم مني".

ومنذ اعتقال والدتها وآخرين في نوفمبر/تشرين الثاني، تحاول نور وأسرتها رؤية عائشة مرارا، لكن كل مرة لا يسمح لهم بذلك، ليسترقوا النظر عليها من بعيد. 

إخفاء أطفال عمر
بخلاف ليلى ونور، ينتظر ثلاثة أطفال من بينهم رضيع مصيرا غامضا، بعد مقتل والدهم عمر رفاعي سرور الذي قضى في قصف لقوات خليفة حفتر بمدينة درنة شرقي ليبيا صيف العام الماضي.

إذ تتحدث أسرتهم عن تسليمهم إلى مصر دون الكشف حتى الآن عن مكان احتجازهم مع والدتهم التي تحولت من المسيحية إلى الإسلام قبيل زواجها من عمر.

والأطفال الثلاثة هم عبد الرحمن (ستة أشهر) وعائشة (ثلاثون شهرا) وفاطمة (أربعة أعوام) بجانب أرملته.

وحول ملابسات اعتقال أسرة عمر، اتهمت شقيقته ولاء -في تصريحات للجزيرة نت- قوات حفتر باعتقال أسرة شقيقها وتسليمهم إلى السلطات المصرية التي عمدت إلى إخفاء مكانهم.

في هذا الشأن، قالت سلمى أشرف مسؤولة الملف المصري لدى هيومن رايتس مونيتور إن المنظمات الحقوقية تسعى حاليا للتصعيد الحقوقي والإعلامي فيما يخص هذه القضية لضمان بقائهم على قيد الحياة.

وأضافت المسؤولة الحقوقية أنه بالإضافة إلى جريمة الإخفاء القسري التي قامت بها القوات فإنها تقوم بمعاقبة أبرياء لا ذنب لهم. 

أبناء الجيش والشرطة أيضا
وعن واقع ومستقبل الأطفال الذين ينكل بآبائهم سياسيا وأمنيا، قالت سلمى "قد ينتج عن هذا الإحساس بالظلم وفقدان الشعور بالأمان ووجود القانون أن يلقي هؤلاء الأطفال باللوم على أهاليهم الذين التزموا بالقانون وكانوا مواطنين صالحين ففقدوا حياتهم".

وأضافت "هؤلاء لن يحبوا أوطانهم في هذا المجتمع المثير للخوف والظلم، حيث تقوم الدولة بالتنكيل بهم وبآبائهم".

من جانب آخر قالت الأكاديمية سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بمصر "لا فرق بين أبناء المذنبين أو ضحايا الشرطة والجيش، إذ إن المجتمع بات بحاجة إلى سلام مجتمعي شامل".

وشددت -في تصريحات للجزيرة نت- على الحاجة الماسة إلى "تحويل هؤلاء الأطفال للتعايش بطريقة إيجابية، ونشر ثقافة الإيمان والسلام والمشاركة، وخلق أرض آمنة".

وعادة ما يحتفل الرئيس الحالي بأطفال ضحايا الجيش والشرطة خلال المناسبات العامة، مما دفع العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي للتساؤل عن عدم الاهتمام بأطفال الضحايا من المدنيين والمعتقلين، مطالبين بتجنيب الأطفال صراعات الحاضر حفاظا على المستقبل.

المصدر : الجزيرة