الانتحار في لبنان.. بين العوامل النفسية والأزمة المعيشية

حالات الانتحار أطلقت سلسلة انتقادات في وجه السلطة السياسية بلبنان (الجزيرة)
حالات الانتحار أطلقت سلسلة انتقادات في وجه السلطة السياسية بلبنان (الجزيرة)

وسيم الزهيري-بيروت

حزن مصحوب بالنقمة انتاب عائلة الشاب اللبناني داني أبو حيدر الذي أقدم على إنهاء حياته بإطلاق النار على رأسه داخل منزله، داني الأب لثلاثة أولاد أكبرهم في الـ13 من عمره لم يحتمل الواقع المعيشي الصعب الذي جعل حياة عائلته مثقلة بالديون.

غمر الحزن أقارب داني وأصدقائه، لكنه دفعهم أيضا لإطلاق صرخة في وجه السلطة السياسية، حيث حملوها مسؤولية الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي وصلت إليها البلاد.

واعتبر إبراهيم أبو حيدر شقيق الضحية أن الأخير أقدم على الانتحار بسبب الطبقة السياسية التي فشلت في إدارة شؤون البلاد، وانصرفت إلى الاهتمام بمصالحها الشخصية ونهب المال العام، بحسب تعبيره.

وحمل أبو حيدر المسؤولين في السلطة وزعماء الأحزاب والقوى السياسية مسؤولية التردي الاقتصادي والمعيشي الذي أوصل المواطنين إلى ما سماه "فقدان الأمل بمعيشة أفضل".

وأوضح أبو حيدر للجزيرة نت أن شقيقه كان يعاني من تراكم الديون بسبب تحمله مسؤولية إعالة عائلته ووالديه، ولا سيما بعد صرف والده من عمله قبل أشهر.

مخاوف من ارتفاع نسبة الانتحار
حالة داني لم تكن الوحيدة، إذ سجلت في الآونة الأخيرة عمليتا انتحار إضافة إلى محاولات انتحار، في وقت يشهد لبنان احتجاجات شعبية تنديدا بالفساد المستشري وتفاقم أزمات البلاد على مختلف الأصعدة.

ويرى أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية نزار أبو جودة أن المقارنة لم تشر حتى الآن إلى تخطي نسبة الانتحار المعدل الطبيعي المعروف في لبنان، لكنه لفت إلى وجود مخاوف من احتمال ارتفاع هذه النسبة نتيجة الأوضاع التي يمر بها لبنان.

وأضاف أبو جودة للجزيرة نت أنه يمكن علميا وموضوعيا أن تزداد نسبة الانتحار بسبب الأزمة الحالية التي تطال الجميع، وأن تخلق قلقا عاما عند الكثيرين، مما يؤدي ببعضهم إلى الاكتئاب، لافتا إلى أن الاكتئاب قد يتحول إلى درجة خطيرة من الاضطراب، وبالتالي إلى السلوك الانتحاري ما لم تتم معالجته.

وأوضح أنه بحسب علم الاجتماع قد يزداد معدل الانتحار في حالات التهديد الداخلي للبلد كالحرب الأهلية والجوع والفقر كون الوضع يتحول إلى قلق دائم.

وشدد أبو جودة على دور وسائل الإعلام في التوعية، ومقاربة هذه المشكلة بشكل سليم من خلال اختصاصيين.

معدل الانتحار يزيد حالات التهديد الداخلي للبلد كالحرب الأهلية والجوع والفقر (الجزيرة)

إحصاءات
بلغ آخر إحصاء لحالات الانتحار هذا العام حتى أغسطس/آب الماضي 126 حالة، أي بمعدل حالة واحدة كل يومين ونصف، بحسب ميا عطوي المعالجة النفسية وأحد مؤسسي "جمعية إمبريس". 

وقالت عطوي للجزيرة نت إن الجمعية تتلقى الكثير من الاتصالات في الآونة الأخيرة من أشخاص يشكون كافة أنواع الضيق الاجتماعي، مشيرة إلى أن دائرة الاتصالات توسعت في السنتين الأخيرتين لتشمل كل المناطق اللبنانية بعد أن كانت محصورة سابقا في بيروت وضواحيها.

ولفتت إلى أن الانتحار ناتج عن مرض نفسي تسببه عوامل مختلفة تتعلق بالظروف المحيطة بالأشخاص، كالضغوطات الاقتصادية والمادية والاجتماعية والنفسية، عدا عن العوامل البيولوجية المتعلقة بالوراثة.

وأشارت عطوي إلى أن ضغوطات الأزمة التي يعيشها لبنان حاليا تؤثر على الكثيرين، وأن تأثيرها يكون أكبر على الأشخاص الذين يعانون من عوامل نفسية معينة.

وشددت على أهمية الانتباه إلى العوامل التي قد تؤدي بأشخاص إلى الانتحار، ومنها الشعور بالاكتئاب والرغبة بالانعزال وفقدان الأمل واليأس والتوقف عن الكلام.

المصدر : الجزيرة