من الدهيشة إلى غزة.. 30 قصة عن إفلات إسرائيل من العقاب

مظاهرة في البوسنة للتنديد بجرائم إسرائيل في قطاع غزة (غيتي)
مظاهرة في البوسنة للتنديد بجرائم إسرائيل في قطاع غزة (غيتي)

ميرفت صادق-رام الله

بعد ثلاثين عاما على استشهادها، تروي والدة الطفلة رفيدة أبو لبن من مخيم الدهيشة جنوب الضفة الغربية حادثة قتلها بالرصاص الإسرائيلي، وتُذكَر التفاصيل بين ثلاثين قصة وثقتها مؤسسة "بتسيلم" لحقوق الإنسان عن ضحايا فلسطينيين منذ تأسيسها عام 1989 تحت عنوان "غيض من فيض.. ضحية كل سنة على مدار 30 عاما".

وفي البيت الذي أُطلِق فيه اسم الشهيدة على أكثر من بنت، قالت الأم عائشة أبو لبن إن رفيدة (13 عاما) أصيبت برصاصة جندي إسرائيلي في عنقها بينما كانت تشارك في تشييع أحد أبناء المخيم الذي قتله الاحتلال أيضا.

وبعد سنة من قتلها، أبلغ الجيش الإسرائيلي مؤسسة بتسيلم، التي طلبت التحقيق في الحادثة، أنه "لا علاقة بين مقتل الطفلة ونشاط قواته"، وبينما أقر بأن "ضابط الدورية خالف تعليمات إطلاق النار"، أضاف "بسبب تسريحه لا يمكن جلبه لمحاكمة تأديبية إنما توبيخه فقط".

تقول بتسيلم إن مقتل الطفلة و"طمس الجريمة" لاحقا هي حالة من آلاف الملفات التي وثقتها ونجحت سلطات الاحتلال في تبرئة جنودها منها.

ويبين التقرير أن سياسة إسرائيل بخصوص المحاسبة والمساءلة جراء إيذاء الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تهدف إلى إبقاء "الدولة" ومن يعملون نيابة عنها بمنأى عن دفع أي ثمن لقاء العنف الذي يمارسونه، بخلاف زعم إسرائيل احترامها للقانون الدولي.

وفي سبيل طمس الحقائق، تقول بتسيلم إن جهاز التحقيق العسكري الإسرائيلي المنوط به إدارة التحقيقات في الجرائم التي يرتكبها الجنود بحق الفلسطينيين، يُجري ذلك بصورة سطحية. وإذا فتح تحقيقا فعلا، فإنه يكتفي بالاستماع لشهادات الجنود الإسرائيليين مع تغييب لإفادات الفلسطينيين وعدم بذل أي جهد للبحث عن أدلة خارجية.

جهاز التحقيق العسكري الإسرائيلي يكتفي بالاستماع لشهادات الجنود الإسرائيليين مع تغييب لإفادات الفلسطينيين (الجزيرة)

قتل وضرب
ومن بين القصص التي عاد ممثلو المؤسسة للقاء ضحاياها وأقاربهم وتسجيل إفاداتهم عنها، وثقت بتسيلم 16 حالة قتل، منها قتل الطبيب سمير حجازي في إطلاق نار على منزله بمدينة رفح جنوب غزة عام 2004، ومجزرة راح ضحيتها ستة أفراد من عائلة أبو حليمة بقذيفة فسفورية عام 2009. وكان رد الجيش في ملفاتها "إغلاق التحقيق" دون نتائج.

وأعاد التقرير أيضا نشر روايات لفلسطينيين أصيبوا بالرصاص الإسرائيلي وتغيرت حياتهم، وآخرين تعرضوا لاعتداءات بالضرب والتنكيل بينهم ذوو احتياجات خاصة وعمال كانوا متوجهين إلى أعمالهم.

غرامة القتل أغورة!
في قصة استشهاد الشاب إياد العملة من منطقة نابلس عام 1993، يقول شقيقه "بعد سنة واحدة من مقتله، حكمت محكمة إسرائيلية على الجنود المتورطين بغرامة أغورة واحدة (جزء من الشيكل).. لقد أحسست يومها أنهم قتلوه مرة أخرى".

أما القصة الثلاثون والأخيرة فعن إصابة علاء الدالي الشاب الغزّي الذي كان يحلم بالمشاركة في بطولات رياضية عربية لركوب الدراجات، لكن إغلاق معبر رفح حال دون ذلك.

ففي الجمعة الأولى لمسيرات العودة يوم 30 مارس/آذار 2018 تعرض الدالي لإطلاق نار إسرائيلي أصاب ساقه اليمنى، وعلى مدار أسبوعين فشلت محاولات إنقاذه ورفض الاحتلال تحويله للعلاج في رام الله، مما دفع الأطباء إلى اتخاذ قرار ببترها. يقول الشاب "لقد بُترت أحلامي، وانتهت حياتي".

لم تطلب بتسيلم تحقيقا في حادثته لأنها توقفت، كما يقول التقرير، منذ عام 2016 عن طلب التحقيق من "أجهزة طمس الحقائق". وقالت إن هذه المؤسسات تحوّلت إلى أدوات تشريع للسياسات الإسرائيلية وتغطية على جرائمها.

ففي العديد من الجرائم التي وثقتها بتسيلم كان رد جيش الاحتلال عدم وجود داعٍ لفتح التحقيق. كما حدث في قتل الأم ثروت شعراوي (73 عاما) من الخليل عام 2015 عندما هاجمها الجنود الإسرائيليون بالرصاص لدى دخولها بسيارتها محطة للمحروقات كانوا بها.

تذكير للعالم
يقول الناطق باسم بتسيلم كريم جبران للجزيرة نت إن التقرير يستعرض حالات الإفلات من العقاب في آلاف الملفات التي طلبت المؤسسة التحقيق فيها على مدار ثلاثين عاما، والتي توصلت بعدها إلى قناعة بأن جهاز التحقيقات العسكرية الإسرائيلي هو أداة لطمس الحقائق وكذلك المنظومة القضائية التي لم تقف يوما لتحقيق العدالة للضحايا الفلسطينيين.

يقول جبران إنه "بعد ثلاثين سنة من عمل بتسيلم كمؤسسة حقوق إنسان نعلن بصوت جهوري أنه لا توجد محاسبة ولا إمكانية للبحث عن عدالة تحت الاحتلال الذي هو أصل الانتهاكات ويجب إنهاؤه لإنصاف الضحايا ووقف سقوط المزيد منهم".

ويضيف "بدأ عملنا بهدف تحسين حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وكنا نأمل أن نغلق أبوابنا بعد سنوات قليلة، لكن توسّعنا كان موازيا لارتفاع جرائم الاحتلال".

وتشير بتسيلم إلى أن منظومة الاحتلال لا تطمس الحقيقة فقط ولكن أيضا تُسكت أي صوت يسعى لإظهارها. وقد تعرضت المؤسسة، حسب ناطقها، لهجمات عديدة لإخراس صوتها في السنوات الأخيرة، منها سن قوانين تحدّ من تمويلها وتمويل المؤسسات الحقوقية الأخرى، واتهامها بالعمل لأجندات خارجية.

وعرضت بتسيلم تقريرها الخميس أمام عدد كبير من ممثلي المنظمات الدولية والسفراء الأجانب في قرية الخان الأحمر المهددة بالهدم شرق القدس المحتلة.

وطالبت المؤسسة بوجود آليات لمحاسبة إسرائيل من الخارج، وقال المتحدث باسمها "حتى اليوم لا يوجد قرار سياسي لدى العالم بإيجاد آليات ضغط عملية لمحاسبة الاحتلال وعدم الاكتفاء بتصريحات الاستنكار فقط".

وقال "كنا نراهن على التغيير داخل المجتمع الإسرائيلي من خلال إطلاعه على سياسات الاحتلال، لكن بعد سنوات من عمل المؤسسة تحوّل نداؤنا إلى المجتمع الدولي فقط من أجل مساعدة الفلسطينيين وإنصافهم بإنهاء الاحتلال".

المصدر : الجزيرة