فيلم أميركي يعيد التركيز على إرث التعذيب بغوانتانامو ومحاكمات المتهمين

حراس من البحرية الأميركية يرافقون محتجزا في قاعدة غوانتانامو (رويترز-أرشيف)
حراس من البحرية الأميركية يرافقون محتجزا في قاعدة غوانتانامو (رويترز-أرشيف)

محمد المنشاوي-واشنطن

بدأت شاشات السينما الأميركية أمس الجمعة عرض فيلم "التقرير The Report" الذي يلقي الضوء على استخدام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) للتعذيب كوسيلة أساسية في تحقيقات مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

ويركز الفيلم على شخصية دانيال جونز، وهو أحد العاملين بلجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ ممن تولوا مسؤولية التحقيق في مخالفات سي آي أي المتعلقة بالتعذيب، وتكشف أحداث الفيلم أن تبعات وآثار عمليات التعذيب مستمرة حتى اليوم، وتؤثر بصورة لم يتوقعها أحد في محاكمات المتهمين بالإرهاب بمعتقل غوانتانامو الذي يضم حاليا 40 معتقلا.

وأشرف جونز على إعداد تقرير مفصل عن التعذيب جاء في 6700 صفحة، إلا أنه بقي سريا حتى يومنا هذا لتضمنه ما يضر بالأمن القومي الأميركي وبسلامة مواطنين أميركيين حال نشره. غير أن لجنة الاستخبارات أقرت نشر الملخص التنفيذي للتقرير الذي جاء بدوره في 525 صفحة عام 2014، وإن قامت بتظليل بعض الأسطر والعبارات حماية لهوية المحققين ولبعض أسرار الأمن القومي.

وفي سبيل إعداد التقرير، اطلع جونز وفريقه على 6.7 ملايين صفحة من الوثائق السرية الرسمية المتعلقة بمعسكر غوانتانانو وغيره من مراكز الاعتقال السرية حول العالم. وجاء في التقرير أن "برامج التعذيب كانت غير أخلاقية وغير قانونية، إضافة لكونها غير فعالة".

وقد أنهى الرئيس السابق باراك أوباما عن طريق أمر رئاسي تنفيذي كل برامج التعذيب فور وصوله للحكم في يناير/كانون الثاني 2009. وكانت تحقيقات مجلس الشيوخ التي أشرف عليها شخصية الفيلم الرئيسية دانيال جونز، قد أزاحت الغطاء عن تفاصيل دقيقة حول طرق وأساليب التعذيب كما جاء في التقرير.

ولوهلة تصور البعض أن هذه الصفحة السوداء من التاريخ الأميركي قد طويت، لكن هذا لم يحدث، وما زالت تبعات عمليات التعذيب حاضرة وبشدة في محاكمات المتهمين بالإرهاب في معتقل غوانتانامو.

التعذيب يعرقل المحاكمات
كشف تحقيق الكونغرس عن استخدام التعذيب خلال التحقيقات دخل معتقل غوانتانامو وغيره من مراكز الاعتقال السرية المنتشرة حول العالم في الفترة من عام 2002 وحتى نهاية عام 2008. وتشير وثائق محاكمة المتهمين في معتقل غوانتانامو أن "التعذيب وآثاره يعد السبب الرئيسي الذي بسببه لم تنته محاكمة المتهم خالد شيخ محمد وغيره من معتقلي غوانتانامو" كما جاء في تقرير للراديو القومي الأميركي.

وعرقل تعرض المتهم الرئيسي والعقل المدبر وراء هجمات 11 سبتمبر خالد شيخ محمد للتعذيب في التشكيك فيما يقدمه الادعاء ضده، إذ يرد الدفاع أن هذه القرائن والاعترافات تم الحصول عليها أثناء تعذيب المتهم. كما أن "الاستمرار في الاحتفاظ ببعض الأسرار مثل إخفاء أسماء من قاموا بالتعذيب، أو مواقع مراكز الاعتقال السرية حول العالم، تعرقل إجراءات المحاكمة" كما ذكر ريك كامان، محامي المتهم عبد الرحمن الناشيري، المتهم بالتخطيط للهجوم على المدمرة كول قبالة الساحل اليمني عام 2000.

وتشغل قضية التعذيب أغلب أوقات المحاكمات التي تجري داخل قاعات بمعسكر غوانتانامو. وأشارت تيري روكفلر، أخت أحد ضحايا هجمات 11 سبتمبر، إلى أن "تعرض المتهمين للتعذيب هو سبب إبطاء المحاكمات وعدم حسم القضايا. يتم استدعاء تعرض المتهمين للتعذيب في كل الجلسات، وبالطبع هذا سلوك مبرر ويمكن تفهمه، ويبدو أن من قام بالتعذيب لم يكن ليدرك ذلك".

ودفع الكشف عن تفاصيل بعض عمليات التعذيب إلى سجالات ومعارك قانونية لا تنتهي بين محاميي المتهمين وبين المدعين ممثلي الحكومة الأميركية. ويدور الخلاف على نقاط، منها سرية المعلومات، وأي الاعترافات المعتبرة، وحصول المتهمين على علاج للتعذيب الذي تعرضوا له، وقانونية نيل المتهمين عقوبات مخففة بسبب تعرضهم للتعذيب.

ويكشف الفيلم كذب ادعاءات سي آي أي أن وسائل التعذيب القاسية المتبعة لن تترك آثارا طويلة المدى على المتهمين، وفي سبيل ذلك استعانت بأطباء متخصصين أثناء عمليات التعذيب. لكن الواقع كان غير ذلك، وعاني المتهمون ممن تعرضوا للتعذيب من آثار مستمرة حتى اليوم.

وذكرت الطبيبة سوندرا كروسبي التي فحصت عشرين متهما ممن تعرضوا للتعذيب، أن "الضرر والمعاناة التي تعرض لها هؤلاء الرجال لم أر مثلها على الاطلاق وهي مستمرة بلا نهاية".

وعددت الخبيرة الآلام المستمرة، منها إصابات دائمة داخل الدماغ، وآلام دائمة في العمود الفقري، واضطرابات دائمة مثل تلك التي تحدث عقب الحوادث الكبيرة، إضافة لتغير في وظائف بعض أجزاء المخ، هذا إضافة للأمراض النفسية التي لا تحصى.

وتبقى الشكوك
أشار تقرير الكونغرس إلى عدم فعالية برامج التعذيب وذلك على عكس ادعاءات سي آي أي التي كررت أن التعذيب منع سقوط ضحايا أبرياء جدد، وذلك عن طريق ما أقر به المتهمون من معلومات قيمة بسبب تعرضهم للتعذيب القاسي. وكشف التقرير أن المعلومات التي ذكرها المعتقلون ممن خضعوا للتعذيب كانت معروفة بالفعل للأجهزة الاستخباراتية من مصادر أخرى، أو تم الحصول عليها من المعتقلين قبل خضوعهم للتعذيب.

ولا يؤمن الكثير من الأكاديميين والخبراء بوجود رغبة جادة من الحكومة الأميركية في وقف التعذيب بصورة شاملة ومانعة. ويستشهدون في منطقهم بأن قرار منع التعذيب أصدره الرئيس باراك أوباما جاء في صورة أمر رئاسي تنفيذي يمكن لأي رئيس آخر أن يوقف العمل به في أي وقت يشاء. كما أن مبادرات بعض أعضاء الكونغرس لتمرير قوانين تمنع التعذيب ما زالت تحتاج تحديث قواعد العمل وطرق التحقيق من جهات أمنية مختلفة.

ويرى هؤلاء الخبراء أن عدم الكشف الكامل عن تقرير لجنة الاستخبارات حول التعذيب، والاكتفاء بنشر الملخص التنفيذي الذي يمثل فقط 8% من حجم التقرير لا يبشر بوجود نية كاملة لطي هذه الصفحة السوداء من التاريخ الأميركي. كما أن وكالة الاستخبارات المركزية أتلفت كل الفيديوهات والتسجيلات التي توثق عمليات التعذيب.

ويستشهد الخبراء كذلك بتعيين جينا هاسبل مديرة للسي آي أي، وحصولها على دعم واسع من أعضاء مجلس الشيوخ والتغاضي عن ماضيها. وجدير بالذكر أن هاسبل قد أشرفت شخصيا على معسكر اعتقال سري في تايلاند عام 2002 حيث جرى استخدام برامج تعذيب وحشية ضد متهمين بالإرهاب كما أشارت مراسلات سرية تم الكشف عنها من قبل.

المصدر : الجزيرة