حملة فلسطينية لمواجهة "الملف السري" الإسرائيلي

ميرفت صادق-رام الله

منذ منتصف التسعينيات وحتى شهور قريبة تحولت اعتقالات المناضل الفلسطيني عمر البرغوثي إلى احتجاز متجدد يستند إلى ما تسميه إسرائيل "ملفا سريا" وتحت قانون الاعتقال الإداري، أي بلا تهمة ولا سقف أو موعد محدد للإفراج عنه.

واعتقل البرغوثي (58 عاما) -وهو من رام الله- لأكثر من 26 عاما، بينها أكثر من 12 عاما في الاعتقال الإداري وتحت بند "الملف السري" الذي يعده جهاز المخابرات الإسرائيلي لمحاكمة الأسير بدون السماح له أو لمحاميه بمعرفة مضمونه، وبحجة أن كشفه "يشكل خطرا على أمن دولة إسرائيل".

ويصف البرغوثي قانون الاعتقال الإداري وملفه السري "بالإجراء السادي وأداة تلذذ بآلام الأسرى وعائلاتهم"، وهو كما يقول "ذبح نفسي مستمر للأسرى"، وينظر إليه كأسلوب عقاب لردع المعتقلين وعائلاتهم.

المناضل الفلسطيني عمر البرغوثي أمضى 12 عاما في الاعتقال الإداري بدون تهم معلنة ووفق ملف سري (الجزيرة)

انتظار مفتوح
ولا يحول الأسير إلى الاعتقال الإداري بعد اعتقاله مباشرة غالبا، ففي حالة البرغوثي قضى في إحدى المرات تسعين يوما في التحقيق، قبل أن يفشل الاحتلال في الحصول على اعتراف منه، وجرى بعدها تحويله إلى الاعتقال الإداري وفق تهمة غير معلنة.

وفي أحد الاعتقالات نهاية التسعينيات حول البرغوثي إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، وجرى تجديد اعتقاله سبع مرات حتى أمضى 42 شهرا متواصلة بدون تهمة معروفة، وفي مرات تالية حصل على قرار بالإفراج، ثم أعيد من بوابة السجن إلى الاعتقال الإداري وفق ملف سري.

ويقول البرغوثي إن أسوأ ما في الاعتقال الإداري هو ترك العائلة في انتظار مفتوح، مضيفا "لم أعش مع أبنائي، منذ التسعينيات كبروا وأنهوا دراستهم وتزوجوا وأنجبوا وأنا رهن الاعتقال الإداري لا أدري متى يتم تجديد اعتقالي ولا متى أحصل على إفراج".

وكان البرغوثي من بين عشرات النشطاء والحقوقيين الذين شاركوا في إطلاق حملة "لا للاعتقال الإداري" بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية، والتي أعلنتها مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وبينهم أسيرتان وثلاثة أطفال وخمسة من نواب المجلس التشريعي.

وتذكر مديرة مؤسسة الضمير المحامية سحر فرنسيس أن 460 أسيرا فلسطينيا يعتقلون حاليا وفق "ملف سري"، ويجدد اعتقالهم الإداري كل عدة شهور.

ويعتبر الاعتقال الإداري إجراء تعسفيا ونمطا من التعذيب النفسي، حسب قول فرنسيس.

ولجأ العشرات من الأسرى في السنوات الماضية إلى الإضراب عن الطعام فرديا لدرجة هددت حياتهم، من أجل التخلص من هذا الإجراء وتحديد موعد للإفراج عنهم، وعلى رأس هؤلاء المناضل خضر عدنان، ومؤخرا الأسيرة الأردنية من أصل فلسطيني هبة اللبدي التي أضربت عن الطعام لأكثر من أربعين يوما حتى أفرج عنها.

مسؤولة حملة "لا للاعتقال الإداري" تالا ناصر تقول إن الحملة تسلط الضوء على مأساة الملف السري المخالف للمواثيق الدولية (الجزيرة)

معتقلون بلا تهم
وفيما تنظر اتفاقية جنيف الرابعة إلى الاعتقال الإداري باعتباره تدبيرا استثنائيا يمكن اللجوء إليه في ظروف مقيدة شرّعت إسرائيل هذا القانون منذ عام 1967، واستخدمته على نطاق واسع ضد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، مستندة إلى "ملف سري" لا يسمح للأسير ومحاميه بالاطلاع عليه، مما يحول دون بلورة دفاع قانوني فعال.

ووفقا لمؤسسة الضمير، يتم احتجاز الأسرى بموجب الاعتقال الإداري لفترات تتراوح بين ستة أشهر يتم تجديدها لتصل إلى سنوات عدة وفق "ملف سري"، وذلك بعد فشل الاحتلال في توجيه لائحة اتهام إلى المعتقل أو بعد قضائه فترة محكومية محددة.

وأصدر الاحتلال ما يزيد على خمسين ألف أمر اعتقال إداري منذ عام 1967، ومنذ الهبة الشعبية نهاية عام 2015 حتى نهاية 2018 أصدر الاحتلال أكثر من خمسة آلاف أمر اعتقال إداري.

وتسعى حملة "لا للاعتقال الإداري" -التي تأتي امتدادا لأنشطة بدأتها بـ"الضمير" منذ عام 2009- إلى تفعيل التضامن الشعبي مع الأسرى الإداريين، ودعم إضراباتهم المستمرة عن الطعام وكتابة رسائل تضامن إليهم في السجون.

وقالت مسؤولة الحملة تالا ناصر إن الحملة تلقي الضوء -خاصة أمام المنظمات الحقوقية والعالم- على مأساة "الملف السري" المتناقضة مع المواثيق الدولية والتي تحتم على الجهة المعتقلة وسلطات الاحتلال إعلام المعتقل بسبب اعتقاله، وهو ما لا يتاح لآلاف الأسرى الفلسطينيين ويحرمهم من الدفاع القانوني المؤثر.

وحسب ناصر، يستهدف الاعتقال الإداري أساسا النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وطلبة الجامعات الذين لا تتوافر لدى الاحتلال مواد كافية لتقديم لائحة اتهام ضدهم، لكنها تقرر اعتقالهم لكبح تأثيرهم.

وتتضمن الحملة أنشطة توعوية في أوساط طلبة المدارس والجامعات والمنظمات الشبابية، إلى جانب تعزيز الضغط الدولي والحقوقي للفت النظر إلى الأسرى الإداريين.

المصدر : الجزيرة