تعذيب وصعق كهربائي.. شهادات مثيرة لمعتقلين عراقيين جراء المظاهرات

متظاهرون عراقيون قرب مبنى حكومي تمهيدا لاقتحامه أثناء احتجاجات هذا الشهر (الجزيرة)
متظاهرون عراقيون قرب مبنى حكومي تمهيدا لاقتحامه أثناء احتجاجات هذا الشهر (الجزيرة)

الجزيرة نت-ذي قار

رغم عودة الحياة نوعا ما للمدن التي شهدت احتجاجات عنيفة جنوبي العراق مطلع الشهر الجاري التي راح ضحيتها العشرات من المتظاهرين، فإن الجهات الحكومية لا تزال حتى الآن في موقف ضبابي تجاه ما تعرض له المعتقلون جراء هذه الأحداث.

ووسط الانتقادات المحلية والدولية ورصد ما حصل مع المحتجين في مراكز الاعتقال والسجون، تتقاذف الجهات الرسمية الاتهامات فيما بينها بشأن من مارس التعذيب بحق المعتقلين، لا سيما في المدن التي شهدت سقوط عدد من القتلى والجرحى وحرق للمباني الحكومية.

وبين التصريحات الحكومية بشأن متابعة ملف المتظاهرين المعتقلين والتصريحات الأمنية التي تنفي وجود تعذيب قاس واستعدادها لفتح تحقيق بما حصل لهم، يكشف تقرير إحدى المنظمات الحقوقية العراقية عن وجود مثل هذا التعذيب.

وتحدثت جمعية المواطنة لحقوق الإنسان في تقرير لها عن وجود 150 شابا معتقلا في قاعدة الإمام علي الجوية في محافظة ذي قار جنوبي البلاد، تم إطلاق سراح 52 منهم بكفالات ثقيلة تقدر بـ15 مليون دينار عراقي (حوالي 12500 دولار)، والتوقيع على تعهد بعدم التظاهر، في حين ما زال هناك 98 معتقلاً يصعب الوصول إليهم أو معرفة مصيرهم.

ويكشف تقرير الجمعية عن تغيير سبب الاعتقال، حيث تم فرض توقيع إفادات على المعتقلين باعتبارها تهما جنائية مثل تخريب المؤسسات والحرق والتكسير، وهي أمور غير صحيحة لأن الاعتقال جرى خلال المظاهرات السلمية، لكن بعض المحققين يجبرون المعتقل الشاب على الاعتراف بارتكابه لهذه التهم خلال الإدلاء بإفادته.

وحذرت الجمعية من فرض اعترافات بارتكاب أعمال جنائية خلال المظاهرات خلافا للسبب الحقيقي المتمثل في ممارسة حق التعبير عن الرأي.

منظمات حقوقية تحدثت عن حصول حالات تعذيب داخل السجون العراقية (الجزيرة)


رصد الانتهاكات
وتؤكد المنظمة أنها تواصلت مع معتقلين أُطلق سراحهم، وأفادوا بتعرضهم للتعذيب بأساليب مختلفة، حيث جرى استخدام العصي الكهربائية، وأصبح البعض منهم غير قادر على السير على قدميه بعد إطلاق سراحه.

وفي مراكز الاعتقال التي جرى فيها زج الشباب، لم يأبه ضباط الشرطة بإصابات المتظاهرين المعتقلين، حيث يكشف علي نجم، وهو متظاهر من ذي قار، عن تعرضه لضرب طوال الأيام الخمسة التي قضاها في الاعتقال، كما أكد وجود معتقلين أصيبوا برصاص حي احتجزوا طوال يوم كامل دون علاج.

ويوضح نجم للجزيرة نت أن أحد المعتقلين كان قد أصيب في يده برصاصة، وظل ينزف حتى الصباح دون علاج في مركز الشرطة، بعدها تم تضميده وإبقاؤه في السجن، وهو أمر حدث مع متظاهرين عدة أصيبوا وتم اعتقالهم.

قوات مكافحة الشغب أثناء مظاهرة بجنوب العراق (الجزيرة)

حق التظاهر
صان دستور جمهورية العراق الدائم 2005 الحق في التظاهر، وأعطى للمواطن الحق في التجمع والتظاهر السلمي والتعبير بحرية، وبمجرد مزاولة حقه هذا فإنه يستلزم على الحكومة ومؤسساتها حمايته وكفالته لا منعه بحسب المادة 38 من الدستور، بحسب الناشط والحقوقي علي حسين جابر.

ويضيف جابر للجزيرة نت أن المتظاهرين المعتقلين تعرضوا لوسائل عدة من الترهيب والتعذيب وفق العديد من التقارير، رغم أن المادة 57 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي النافذ ألزمت الجهات التحقيقية بوجوب حضور المحامين وذوي الشأن إجراءات الاستجواب أو التحقيق بإذن من المحكمة، ولا يجوز حرمان المتهم من حضور الدفاع أثناء التحقيق، لكن في بعض الجرائم تمنع المحكمة من حضور محام أثناء استجواب المتهم أمام ضابط التحقيق ولا تتيح له ذلك إلا عند تسيير المتهم أمام محكمة التحقيق لتصديق أقواله.

ويؤكد جابر أن هذه المرحلة -ما بين أخذ أقوال المتهم في مراكز الشرطة ولحين تسييره أمام محاكم التحقيق- تعتبر من أهم المراحل في توجيه التهم وإدانة المتهم بعد إحالته لمحاكم الجزاء، وسط مخاوف من انتزاع اعترافات بالإكراه والقوة والترهيب في ظل جهل المتهم بخطورة وضعه القانوني، لأنه بمجرد تصديق أقوال المتهم أمام قاضي التحقيق فلا يمكن للمتهم التراجع عنها وإنكار اعترافه أمام المحاكم التي تصدر الأحكام (الجنح والجنايات) إلا إذا أثبت وبتقرير طبي أن اعترافاته انتزعت منه بالإكراه أثناء فترة التحقيق.

كما أن القانون العراقي، كما يقول جابر، لا يعتبر اعتراف المتهم ذا قيمة قانونية إن أثبت أنه جاء تحت التعذيب النفسي والجسدي، وتصبح إجراءات التحقيق ونتائجها كلها باطلة، وهناك قرارات تمييزية كثيرة نقضت فيها إجراءات التحقيق والمحاكمة بمجرد أن تعلم محكمة التمييز أن الاعترافات ولدت قهرًا وأنها لا تبعث على الاطمئنان بصحتها.

ووقع العراق على انضمامه لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة لسنة 1984 بموجب القانون رقم 30 لسنة 2008 وعدم تحفظه حتى على صلاحيات وإجراءات لجنة مناهضة التعذيب الواردة بموجب المادة 20 منها لتصبح الاتفاقية قانونا وطنيا يحتج به أمام القضاء.

حالات تعذيب
وفي إطار تزايد اللجان التحقيقية بشأن أحداث المظاهرات، أكدت مفوضية حقوق الإنسان في ذي قار وجود حالات تعذيب تعرض لها المتظاهرون الذين جرى اعتقالهم.

وقد وردت شكاوى عدة من ذوي المتظاهرين المعتقلين إلى مفوضية حقوق الإنسان، كما يقول مديرها داخل عبد الحسين للجزيرة نت، وتم تسجيلها وتوثيقها ورفعها بتقرير خاص إلى المكتب الوطني لمفوضية حقوق الإنسان في العراق لمخاطبة الجهات الحكومية وتسجيل اعتراضها على ما يحصل مع المتظاهرين.

ما يلاحظ في هذه المظاهرات، إضافة لكونها عفوية وغير موجهة بقيادة محددة، أنها تُثبت ظهور جيل قد تَخلص من عقدة الخوف من السلطة والسكوت عن أفعالها تجاه الشعب، أي أن المجتمع العراقي ظهر فيه جيل جيد على قدر التحدي، كما يقول الباحث في الشأن العراقي صادق الزيدي للجزيرة نت.

ويضيف الزيدي أن الشباب يريدون القول إن لهم كلمتهم وإنهم مكون اجتماعي مهم وسيحدد ملامح وهوية الثقافة السائدة، فهم غاضبون ولديهم طموح بالتغيير بعدما رأيناهم يواجهون الرصاص الحي لإيصال رسالتهم خلال الاحتجاجات الأخيرة.

المصدر : الجزيرة