من ألد أعداء حرية الصحافة؟ مقتل خاشقجي حمل الإجابة

مقتل الصحفي السعودي فتح أعين كثير من المنظمات على واقع الممارسة الصحفية في البلدان العربية (الأناضول)
مقتل الصحفي السعودي فتح أعين كثير من المنظمات على واقع الممارسة الصحفية في البلدان العربية (الأناضول)

عثمان بوشيخي-لندن

منذ إعلان اختفاء ثم مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بادرت الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة للتنديد بالحادث.

ومن تلك المنظمات من طالب بتحقيق دولي مستقل، ومنها من قاطع السعودية أو دق ناقوس الخطر بخصوص حياة الصحفيين، كما أن بعضا منها بادر لإطلاق جوائز لحرية التعبير باسم خاشقجي.

ومن المفارقات أن مقتل خاشقجي أتى متزامنا مع صدور تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، أشارت فيه إلى أن كل أسبوع يشهد عملية اغتيال صحفي، ليؤكد ذلك أن حياة الصحفيين عرضة للخطر.
 
ويقول مراقبون إن مقتل خاشقجي فتح أعين كثير من المنظمات على واقع الممارسة الصحفية في البلدان العربية ولا سيما السعودية، إذ قال الأمين العام لمنظمة "مراسلون بلا حدود" كريستوف ديلوار إن "وقف آلة الخوف في المنطقة قد أصبح ضرورة ملحة بالنسبة لذوي النيات الحسنة المتشبثين بالحريات المكتسبة عبر التاريخ".

وكشفت المنظمة فيما بعد أن وفدا تابعا لها زار السعودية في أبريل/نيسان الماضي في مهمة غير مسبوقة للدعوة إلى إطلاق سراح ثلاثين صحفيا محتجزين في السجون السعودية.

المنظمات الدولية بادرت بعد مقتل خاشقجي إلى إطلاق جوائز لحرية التعبير باسمه (الأناضول)

"آلة الخوف" تعمل بأقصى طاقتها
في يوليو/تموز الماضي، التأم شمل المؤتمر الدولي لحرية الإعلام بلندن بمشاركة مئات الصحفيين وعشرات الوزراء والمنظمات، وتحول إلى ما يشبه المنصة العالمية لتوجيه انتقادات شديدة للسعودية بسبب مقتل خاشقجي.

وفي هذا المؤتمر، اتهمت المبعوثة البريطانية الخاصة لحرية الإعلام أمل كلوني، قادة العالم بالإخفاق في حماية الصحفيين، والاستجابة "دون مبالاة جماعية" لجريمة مقتل خاشقجي.

وأعلن وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت عن إقامة صندوق بـ18 مليون جنيه إسترليني، لتدريب الصحفيين ودعمهم في المناطق الخطرة بعد حادث خاشقجي.

وكان من بين الإشارات المهمة في هذا المؤتمر، هو أن الدول العشر الأكثر حرية في الإعلام قد حصد علماؤها 120 من جوائز نوبل، بينما حصلت النرويج التي تتصدر قائمة مؤشرات الحرية ويبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة على 13 جائزة نوبل.

ويرى رئيس جمعية المحامين العرب في لندن صباح المختار أن مقتل خاشقجي كانت له تداعيات سياسية أكثر منها قانونية أو حقوقية، وشكل ذلك إحراجا وعبئا على الرياض.

ولكن رغم ذلك أظهر هذا الحدث أن الصحفيين هم فعلا ألد أعداء الحكومات العربية، وأن انتهاك حقوقهم يبين مدى عدم مبالاة هذه الحكومات بحقوق الإنسان أو المواثيق الدولية.

كما يقول المختار إن رسالة الرياض للصحفيين -السعوديين بالذات- من وراء اغتيالها خاشقجي، كانت أن من يتجرأ على الحديث عن النظام السعودي ليس في مأمن من بطشه، وعمل خاشقجي في واشنطن بوست وكتابته عن الداخل السعودي كانا كافيين كمحفز لتصفيته.

مقتل خاشقجي أظهر أن الصحفيين ألد أعداء الحكومات (غيتي)

أعداء حرية الصحافة
كان آخر مقال لخاشقجي قبل مقتله على صدر صحيفة واشنطن بوست، قد جاء بعنوان "أمسّ ما يحتاجه العالم العربي هو حرية التعبير"، وقد بدأه بالإشارة إلى تقرير من مؤسسة "فريدم هاوس" عن الحريات في العالم أظهر أن دولة عربية واحدة فقط مصنفة "حرة"، وهي تونس، يليها الأردن والمغرب والكويت في المرتبة الثانية بتصنيف "حرة جزئيا"، وباقي الدول العربية "غير حرة".

وقد وضعت نسخة 2019 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة -الذي أشرفت على إعداده منظمة مراسلون بلا حدود- الإمارات في المرتبة 133، أما السعودية فجاءت في المرتبة 172 من أصل 180 دولة.

وأشار تقرير صادر عن المنظمة ذاتها إلى أن وتيرة الكراهية ضد الصحفيين في البلدان العربية قد تصاعدت إلى حد جعلها تبلغ العنف الجسدي، وهو ما أدى إلى تنامي الشعور بالخوف واستمرار تقلص دائرة الدول التي تُعد آمنة.

وركزت هذه النسخة على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كأصعب منطقة وأخطرها في العالم، مشيرة إلى زيادة صادمة في أعداد الصحفيين القتلى عام 2018، إذ لقي 95 صحفيا على الأقل مصرعهم وهم يزاولون عملهم، بحسب إحصاءات الاتحاد الدولي للصحفيين.

وفاق عدد القتلى من الصحفيين نظيره في الأعوام الماضية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أكبر عدد من الإعلاميين القتلى كان في 2006، فقد بلغ 155 إعلاميا. وتضم تلك الأعداد كل من يعمل بصفة ما لصالح مؤسسة إعلامية.

ويرى الباحث في المركز الوطني للبحوث الاجتماعية بلندن حميد الهاشمي أن مقتل خاشقجي بتلك الطريقة كان سابقة خطيرة في عصر غلبت عليه كاميرات المراقبة والساعات الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي.

كما يؤكد أن غباء الجريمة سلط الضوء على فظاعة استهداف الصحفيين دون أدنى اهتمام بالرأي العام العالمي.

ويضيف الهاشمي أنه رغم أن معاناة الصحفيين داخل البلدان العربية معلومة لدى كثيرين، فإن الجرأة في تنفيذ عملية القتل كانت محفزا لدق ناقوس الخطر لدى المنظمات الحقوقية الدولية.

خاشقجي نال بعد موته جائزة القلم الذهبي للحرية من الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار (رويترز)

جوائز لخاشقجي وباسمه للصحفيين
قبل بضعة أسابيع فقط، منحت منظمة مراسلون بلا حدود جائزة حرية الصحافة هذا العام لثلاث صحفيات من بينهن المدونة السعودية إيمان النفجان، إذ قالت ناطقة باسم المنظمة إن منح الجائزة للنفجان يأتي كنتيجة مباشرة لعملية قتل خاشقجي، كما تسلمت الصحفية السعودية صفاء الأحمد جائزة "بين أوارد" لحرية الصحافة والتي منحت لخاشقجي بعد مقتله.

ونال خاشقجي بعد موته أيضا جائزة القلم الذهبي للحرية من الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار، وجائزة "كاتب الحرية" من جامعة ميركانتيل الشهيرة في نيويورك، وجائزة "جون أوبيتشون للصحافة الحرة" من نادي الصحافة الوطني في واشنطن.

هذا فضلا عن اختيار مجلة تايم الأميركية لخاشقجي مع صحفيين آخرين ليكونوا شخصية هذا العام، نظرا لتضحياتهم التي قدموها في خضم ما سمتها المجلة "الحرب على الحقيقة".

وبسبب خاشقجي قررت مؤسسة جيمس فولي -وهو الصحفي الأميركي الذي ذبحه تنظيم الدولة الإسلامية- عدم منح جائزة لوزير الخارجية مايك بومبيو، لأن واشنطن لم تمارس ما يكفي من الضغوط على الرياض في ملف الصحفي السعودي القتيل.

المصدر : الجزيرة