ثكالى وأرامل الروهينغا يشكين الفقد والفقر

حسينة بيغام قتل جنود ميانمار زوجها ورموا اثنين من أبنائها في منزل يحترق (الجزيرة)
حسينة بيغام قتل جنود ميانمار زوجها ورموا اثنين من أبنائها في منزل يحترق (الجزيرة)

محمد غلام-حدود ميانمار

على روائح أدخنة خانقة تنبعث من تحت غلاية صدئة داخل غرفة رثة تحضيرا لوجبة ماء وعدس وأرز، أسهبت حسينا خاتون في تمجيد زوجها المغدور محمد يونس.

22 عاما قضتها الأربعينية الروهينغية مع زوجها في سعادة وهناء، قبل أن يعضها الدهر بنابه في يوم أسود وتتحول بين عشية وضحاها إلى أرملة تحمل هم خمسة أطفال، وتتيه في دروب الحرمان والفاقة.

كان ذلك في الأول من سبتمبر/أيلول 2017 حين ملأت برَّ القرية الأراكانية الوديعة "كيري فره" مئاتُ السيارات العسكرية التابعة لجيش ميانمار وبدأت في ممارسة لعبتها المفضلة، القتل.

الروهينغية حسينة خاتون تعيش في كوخ بائس اتخذته مطبخا وغرفة معيشة بالنهار ومنام بالليل (الجزيرة)

مطاردة الرجال
طارد الجنود الرجال العزل داخل مياه النهر، وهناك أفرغوا وابل الطلقات في رأس يونس. أيقنت القرية وقد أضحت دون رجال أن زمانها قد أدبر، فحمل النسوة الأطفال وتهن في البراري والمستنقعات والجبال، وصولا لأقرب نقطة بنغالية.

وبعد فضاءات أراكان المفتوحة، من سهول منبسطة وجبال شامخة، ها هي حسينة خاتون تعيش في كوخ بائس، وقد اتخذته مطبخا وغرفة معيشة بالنهار ومنام بالليل.

لا يختلف وضع حسينة عن عشرات آلاف الروهينغيات ممن رماهن الدهر بأرزائه، فاستحال أنسهن إلى وحشة وسعادتهن إلى شقاء.

حسينة بيغام ذات الـ27 ربيعا واحدة من أولئك النسوة فقد عاشت في كنف زوج وسع الله عليه في الرزق، في قريتهما تولاتولي بمنطقة بوليبازار، حيث عاشا أيام أنس وهناء أنجبا فيها أربعة أطفال، قبل أن تمتد إليهم يد الغدر في "يوم نحس مستمر"، قتل فيه الرجال وأحرق الصبية.

حسينة بيغام تعرض زوجها للذبح بسكين على يد جنود ميانمار ثم رموه في غابة (الجزيرة)

قتل وحرق
تقول حسينة والعبرات تحبس لسانها وهي تسترجع ذكرى إعدام زوجها حسن أحمد وهو في الثلاثين من عمره وابنيها وأحدهما رضيع "قتل الجنود البورميون زوجي ضمن إعدام جماعي لرجال الحي ورموا اثنين من أبنائي وسط منزلنا وهو يحترق" وتنفجر في نحيب يفطر الأكباد.

أخذت حسينة ابنيها الآخرين، وكانا خارج القرية، وطفقت لا تلوي على شيء بحثا عن مأمن، وقادتها الأقدار إلى هنا، مخيم "بالوخالي 1" حيث المعاناة في أبشع صورها. 27 كيلوغراما من الأرز شهريا، ولتران من الزيت، وأربعة كيلوغرامات من العدس، ذلك كل ما تقتات به هذه العائلة المكلومة.

أما رابية خاتون ذات الـ70 ربيعا فقد قتل ولداها عزيز الرحمن (22 عاما) وزيرومان (20 عاما) في الأيام ذاتها، وتقول إن جنودا من جيش ميانمار أخذوهما إلى الغابة وأعدموهما مع مئات آخرين، وإنها لم تعثر على جثتهما.

لم تسجل خاتون عند برنامج الغذاء العالمي، ولذلك لم تحصل حتى الآن على أي مساعدة غذائية، وهي تعيش على الصدقات من معدمين مثلها هم أحوج إلى الصدقة.

يمثل النساء والأطفال الأغلبية الساحقة بين الروهينغيين بعد حملات منظمة لإبادة الرجال (غيتي)

ذبح بسكين
ولا تختلف قصص أولئك النسوة عن قصة نسوة بيغام من قرية كاري فره وهي أم لسبعة أولاد، فقد تعرض زوجها للذبح بسكين على يد جنود ميانمار، ثم رموه في غابة. وقد شاهدت خمسة جنود يتعاقبون على اغتصاب قريبتها.

وفر أكثر من 800 ألف لاجئ من الروهينغا عديمي الجنسية، أغلبهم نساء وأطفال من حملة قمع دموية في ولاية أراكان (راخين) في ميانمار، بدأت في أغسطس/آب 2017، وذلك بعد عقود من الاضطهاد والعنف.

وقد انضم أولئك إلى أكثر من مئتي ألف آخرين كانوا قد فروا إلى بنغلاديش في حملات قمع سابقة. ويمثل النساء والأطفال أغلب هؤلاء بعد حملات منتظمة لإبادة الرجال.

المصدر : الجزيرة