جوع وحصار.. حين يتشاءم الروهينغيون من الخضار والأسماك

الروهينغيون يعيشون ظروفا مأساوية داخل مخيمات اللجوء في بنغلاديش (غيتي)
الروهينغيون يعيشون ظروفا مأساوية داخل مخيمات اللجوء في بنغلاديش (غيتي)

محمد غلام-كوكس بازار

"كان الكرم كبيرا، وحل محله شح قاتل.. إننا نموت من الجوع"، بذلك لخصت سنورة أحمد تقلب أوضاع اللاجئين الروهينغيين وتغير تعاطي المجتمعين -المحلي البنغالي والدولي- مع مأساتهم، وانخفاض سقف أحلامهم إلى مجرد إخماد لهب الجوع في بطونهم الضامرة.

فبعد ما بدا لبعضهم بحبوحة ورغد عيش عاشوهما لفترة غير طويلة نسبيا، بعد أن قذفت بهم الآلة الجهنمية البوذية إلى هنا، باتوا -بفعل تقلبات السياسة وتراجع الاهتمام الدولي بهم- في أوضاع إنسانية يرثى لها.

جوع -ويصر بعضهم على كلمة "تجويع"- وسجن وحصار بفعل إغلاق المخيمات عليهم وقطع خدمات الإنترنت والاتصال، وأمراض مرتبطة بسوء التغذية، وأخرى ذات صلة بانعدام النظافة كالجرب المستفحل أساسا بين الأطفال.

الأغلبية الساحقة من الروهينغيين تعيش على وجبة الأرز والعدس (الجزيرة)
انفلات أمني
وأخيرا حل بمخيمات هؤلاء المساكين ضيف ثقيل اسمه الانفلات الأمني. وتقول سنورة أحمد إن مجهولين أغاروا مؤخرا على بيتها، حيث اختطفوا أخويها شوكت الله وسيف الله وهما لا يزالان مختفيين، كما شكت الحكومة البنغالية من شيوع حالات نشل وقتل تنطلق من بعض المخيمات.

وتعدد سنورة -ذات الـ22 ربيعا، وهي من قرية "دون سفرا" بمنطقة مونغدو بولاية أراكان- حصتها الشهرية من المواد الغذائية هي وأولادها الثلاثة، وتقول إنها ثلاثون كيلوغراما من الأرز وثلاثة لترات من الزيت وثمانية كيلوغرامات من العدس. أما الخضراوات والسمك المجفف فأصبحا مصدرا للطيرة، حيث يتشاءم الروهينغيون منها هنا، لأنها لم تعد تُمنَح إلا لمن هم على شفى الموت!

أما الملابس فنصيب سنورة منها، هو "بازو" (عباءة نسائية محلية) كل عام، وكذلك الأغطية فواحد كل شتاء.

نباتات تقلى في الزيت يتخذها بعض الروهينغيين بديلا عن وجبة الأرز اليومية (الجزيرة)

نباتات مقلية
وتبدو سنورة أحسن حالا قليلا من الأرملة حسينة أحمد التي لم تحصل منذ مجيئها هنا إلا على عباءة واحدة، ولم تجد من وسيلة لتنويع الوجبة اليومية الدارجة: الأرز المطبوخ في "مرق" العدس بالماء والملح والزيت، إلا بعض النباتات المتوفرة في الطبيعة (تشبه الملوخية) التي تقطعها وتقليها في الزيت، مثلما تفعل كثيرات هنا في مخيم "بالوخالي 1".

تقول لنا حسينة "لم نعد نحصل على السكر ولا الحليب ولا أي شيء.. من قبل كنا نحصل على بعض من ذلك والآن تغير كل شيء"، ويقول الكثير من الروهينغيين إن ذلك جزء من تبرم الحكومة البنغالية والمجتمع الدولي منهم واستمرار مأساتهم دون أفق للحل.

أما السكن فهو أخصاص ضيقة رثة متراصة تحيط بها الأوساخ والقاذورات من كل جانب، تستند إلى أعواد من قصب الخيزران، تغطيها خرق بالية أو مواد بلاستيكية أو كرتونية كانت وعاء لمساعدات شحيحة تلقوها من منظمات دولية، أو منسوجات يدوية من ألياف الخيزران.

جيما سنودن مسؤولة الاتصال في مكتب برنامج الغذاء العالمي في كوكس بازار (الجزيرة)

طاقة عالية
وقد حملنا مشاهداتنا تلك وشكاوى الروهينغيين في المخيمات إلى جيما سنودن مسؤولة الاتصال في مكتب برنامج الغذاء العالمي في كوكس بازار، وجاءت إفادتها مطابقة إلى حد كبير مع مضمون تلك الشكاوى.

وأشارت المسؤولة الأممية في تصريح لمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان، إلى أن لمؤسستها برنامجي تغذية يستفيد منهما يوميا 840 ألف روهينغي، أحدهما عام مختص بتقديم الأرز والعدس للعموم ويستفيد منه 420 ألفا، وبرنامج "طاقة أعلى" للطوارئ يتم من خلاله تزويد بعضهم -خصوصا المرضى- ببطاقات تموين إلكترونية، توفر لهم شراء بعض البيض والسمك المجفف والخضروات الطازجة والبهارات، فضلا عن بعض البسكويت ذي الطاقة العالية، ويستفيد من هذا البرنامج 420 ألفا آخرون.

وذكرت سنودن أن من ضمن البرنامج الأخير برنامج تغذية خاص يزود 200 ألف من الحوامل والمرضعات والرضع والأطفال إلى سن الخامسة.

وبحسب المسؤولة الأممية فإن هذه البرامج جميعها تكلف 16 مليون دولار شهريا.

وعن سؤالنا بشأن ما إذا كان هذا المبلغ يشمل تعويضات الموظفين والفنادق، قالت إن الموظفين يتحملون بأنفسهم تكاليف الإسكان، لكنها أقرت بأنه يشمل الإنشاءات والتجهيزات والسيارات، مما يعني أن ذلك المبلغ لا يذهب كليا إلى أفواه هؤلاء الجوعى، من أمثال سنورة أحمد وحسينة بيغام، وغيرهما.

المصدر : الجزيرة