التعنيف المنزلي.. من يحمي الأطفال خلف الأبواب المغلقة؟

الدول العربية تصدرت المراكز الأولى في دراسة لليونيسيف حول العنف ضد الأطفال (غيتي)
الدول العربية تصدرت المراكز الأولى في دراسة لليونيسيف حول العنف ضد الأطفال (غيتي)

صفاء علي-القاهرة

أُسدل الستار على قضية طفل "البلكونة" الذي أجبرته والدته على القفز من نافذة البناية إلى شرفة منزلهما وعرضت حياته لخطر كبير. فبعد ضغط مواقع التواصل الاجتماعي تم القبض على الأم وسط تباين للآراء، ما بين مؤيد لمعاقبتها من خلال القانون، ومن يرى ضرورة إخضاعها لجلسات تأهيل نفسي، وآخرين يلومون "الفقر" الذي دفعها لفعل ذلك مع ابنها الأكبر؛ إذ إنها -بحسب رواية زوجها- هي المسؤولة عن الإنفاق على الأسرة بعد مرضه.

بعد ثماني ساعات كاملة من التحقيق، أخلي سبيل الأم مع أخذ تعهد كتابي منها ومن زوجها بعدم التعرض بالضرب للطفل مستقبلا، مع متابعة مستمرة للأسرة من قبل وزارة التضامن الاجتماعي. لكن رغم غلق هذه الصفحة في سجلات تعنيف الأطفال في مصر، يظل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام هذا السلوك الذي يتم داخل البيوت وخلف الأبواب المُغلقة.

فبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، فإن العنف ضد الأطفال يشمل جميع أنواع الإساءة والإيذاء النفسي والجسدي، سواء من آبائهم وأمهاتهم البيولوجيين أو الأوصياء عليهم.

كما أشارت دراسة أخرى لليونيسيف أُجريت عام 2014 تحت عنوان "المخفي في العلن: تحليل إحصائي للعنف ضد الأطفال"، إلى بيانات عالمية لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين و14 سنة، وتصدرت الدول العربية المراكز الأولى في هذه الدراسة، فأعلى نسب للعنف النفسي واللفظي توجد في اليمن، حيث تعدت 90% وأعلى نسب للعنف الجسدي موجودة في مصر متجاوزة 80%.

ووفقا لإحصاء منظمة اليونيسيف بمصر، فإن 78% من الأطفال يتعرضون للعنف الجسدي باستخدام وسائل مختلفة مثل "الحزام"، وحوالي 91% أيضا من الأطفال يتعرضون لعنف نفسي من جانب آبائهم.

وأشارت دراسة بالمملكة العربية السعودية إلى أن 80% من الأطفال تعرضوا للعنف الأسري والنفسي، فيما سجل مركز حماية الطفل في أحد مستشفيات الرياض مئتي حالة لأطفال من ضحايا العنف، 80% منها كانت نتيجة عنف جسدي بالغ، و20% كانت نتيجة عنف جنسي.

ضرب الأطفال ينسف مقولة "الضنى غالي"
تعج وسائل التواصل الاجتماعي بحكايات العُنف المُمارس من الآباء على الأبناء، إذ إن ثقافة المجتمع تقضي بأن من حق الأم والأب تربية أبنائهم بالضرب والتعنيف، ولا يخرج الأمر للعلن إلا في حال موت الطفل جراء الضرب الذي تلقاه، وهناك أمثلة لذلك حدثت في 2018 ومطلع 2019، إذ كانت هذه أهم الأخبار المتداولة لحالات العنف الممارس على الأطفال داخل المنازل:

  • ربة منزل بالوراق (حي شعبي بالقاهرة) تقتل ابنها بالضرب المبرح لخروجه دون إذن.
  • قاتلة ابنها بإمبابة: حزنت لعدم تفوقه دراسيا.. والنيابة تقرر حبسها.
  • أم تقتل ابنها "رطما" بالحائط بعد تبوله على ملابسه.

ربما عرفنا الحوادث السابقة بسبب تناولها إعلاميا، غير أن هناك عددا هائلا من الحوادث التي لا تجد طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وسط عدم وجود آليات حقيقية وإحصاءات رسمية عن حالات العُنف ضد الأطفال.

إياد (14 عاما) هو بطل إحدى القصص، فقد أكدت قريبته سارة إبراهيم أنه قُتل ضربا على يد والدته بعد زيارته لها في منزل زوجها الجمعة 25 يناير/كانون الثاني 2019.

وبحسب الرواية، فإن أم إياد اتهمته بالشذوذ الجنسي -وهو ما يخالف الحقيقة- بعد تخليها عنه منذ أكثر من 12 عاما، وقد أوهمه والده أنها توفيت جراء حادث، لكن الطفل اكتشف الحقيقة مؤخرا، ليجري إلى حضن والدته طلبا لشيء من الحنان الذي فقده، ولكن في كل مرة بعد زيارتها كان يعود وعليه علامات ضرب يُنكرها دائما.

تقول سارة للجزيرة نت "إياد كان يفتقد الحنان في منزل والده، وكان يذهب إلى منزل والدته التي كانت تعامله معاملة قاسية، لكنه كان ينكر أنها تضربه كي لا يمنعه والده من الذهاب إليها. وعندما زارها مؤخرا فوجئ والده باتصال هاتفي منها، تخبره فيه أن إيادا توفي، فاتهمها والده بقتله، بعد أن وجد علامات ضرب بارزة على جسده".

أثار التعذيب على جسد الطفل يوسف من والده بحسب رواية الأم (الجزيرة)

يوسف حالة أخرى للعنف ضد الأطفال، وبحسب الأم فإنه كان يتعرض يوميا للضرب من والده وزوجته، بعد مطالبة الأم والده بالإنفاق على أبنائها، ورغم كل المحاولات الودية رفض الأب دفع نفقة الأطفال، واتخذ كل وسائل التنكيل بأبنائه انتقاما من الأم التي تركتهم له.

تقول فاطمة شبل (والدة يوسف) من محافظة بورسعيد للجزيرة نت "ضرب ابني بشكل إجرامي، ولا أعرف ماذا يمكنني أن أفعل حيال ذلك، أو لمن ألجأ". لم تُجرب فاطمة الاتصال بخط نجدة الطفل فهي لا تعرف عنه شيئا، ولم تسمع به من قبل.

هل خط نجدة الطفل يمثل حلا؟
وأطلقت مصر عام 2005 الخط الساخن لنجدة الطفل (16000) بهدف الإبلاغ عن أي تجاوزات ضد الأطفال، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه المعتدين على الأطفال، سواء الغرباء أومن الأسرة، وتقديم الاستشارات النفسية والتربوية وإعادة تأهيل الأطفال المعنفين.

لكن التجاهل هو ما يحدث على أرض الواقع ما لم تصل القضية إلى الإعلام، بحسب محمد ميزار المحامي المُتخصص في قضايا الأسرة.

يقول ميزار للجزيرة نت "خط نجدة الطفل لا يهتم سوى بالحالات الفردية التي تأتي بعد ضغط إعلامي، مثل واقعة طفل البلكونة. أنا شخصيا اتصلت بخط النجدة في كثير من المرات، كما اتصلت شخصيا بعزة العشماوي أمينة المجلس القومي للطفولة في حالات كثيرة، ولم يتحرك أحد".

وإحدى الحالات التي يرصدها ميزار كانت تستدعي تدخلا مباشرا من مسؤولي المجلس القومي للطفولة والأمومة، إلا أن أحدا لم يُحرك ساكنا. وعنها يقول: "طلبت الخط الساخن لنجدة أم تعدى زوجها جنسيا على أطفاله الصغار، وتواصلت السيدة في وجودي بخط نجدة الطفل، لكن لم يتم التعامل مع أي مطلب لها وظلت السيدة في الشارع مدة خمسة أيام، ولم يتدخل أحد لإنقاذها أو إنقاذ أبنائها".

ويرى ميزار أن المجلس القومي للطفولة ممثلا في خط نجدة الطفل يجب أن يعمل على حل المشكلات وليس فقط رصدها، ويجب أن تخرج إحصائياتهم نابعة من المشكلات التي تم حلها فعليا على أرض الواقع، وعدم حل تلك المشكلات التي تأتي عن طريق الإعلام فقط، مع ضرورة توعية الناس بحقوق أطفالهم ونشر ثقافة الاتصال بخط النجدة، وتفعيل دورهم الحقيقي، وهي مسؤولية تقع عليهم وحدهم.

(المادة 96) من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بقانون 126 لسنة 2008، تُعاقب كل من عرض طفلا لإحدى حالات الخطر بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وطالب ميزار بضرورة وجود إطار تشريعي يشمل جرائم ضرب الأبناء داخل الأسرة وخارجها، مستطردا: "كل حالات العُنف ضد الأطفال لا يتم التعامل معها بجدية، إذ إن ضرب الأطفال في المخيلة الاجتماعية أمر أُسري بحت يقع تحت بند التربية، وحتى في حالات تعرض الأبناء للوفاة جراء الضرب فإن العقاب لا يكون مثل جرائم القتل الأخرى، إذ يُعامل كقضية ضرب أفضى للموت وعقوبته سبع سنوات فقط".

المصدر : الجزيرة