تحقيق فرنسي عن عالم "الرعب والتعذيب" بمصر

أجرى موقع "ميديابارت" الفرنسي تحقيقا مطولا عما أسماه نظام "الرعب والتعذيب" بمصر، أورد فيه بعض مظاهر هذا البغي في ظل نظام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، منددا بالصمت المطبق للدبلوماسيين الغربيين وفي مقدمتهم الفرنسيون.

فمنذ 2013 ونظام السيسي يمارس أنواعا من القمع المروع، غدا فيه التعذيب والاختفاء القسري ممارسة شائعة، على حد تعبير الموقع الذي قال إنه لدواع أمنية تعمد عدم ذكر معدي تحقيقه ولا من قابلوهم من شهود وضحايا ومحامين ورؤساء جمعيات مصرية.

فنظام السيسي يلفح معارضيه، دون رقيب أو حسيب، منذ خمس سنوات، وقوات أمنه تتفنن في أساليب التعذيب من إذلال وصعق بالكهرباء وحرق واستغلال جنسي "تشابهت القصص لكن تعددت ملامح الضحايا، مما يكشف جنون العظمة الذي أصبح يتحكم في النظام المصري في السنوات الأخيرة" على حد تعبير ميديابارت.

وإذا كان عناصر جماعة الإخوان المسلمين، المدرجة الآن على لائحة المنظمات الإرهابية في مصر، هم الضحية المفضلة لهذا الاضطهاد، من الناشطين العلمانيين والليبراليين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والمحامين (..) وحتى مشجعي كرة القدم أو ربما أشخاص ألقي عليهم القبض عن طريق الخطأ، كل هؤلاء أيضا فريسة لهذه الآلة القمعية الجائرة.

وتقدر المنظمات الدولية أن أكثر من ستين ألف شخص قد ألقي بهم في غياهب السجون لأسباب سياسية منذ عام 2013.

قصة (s)
ويورد الموقع قصصا لأناس أذاقتهم قوات الأمن المصرية مُر العذاب، وحالفهم الحظ بأن نجوا من الموت وتمكنوا من الهروب خارج مصر.

فهذا شاب مصري بملجأ في بلجيكا رمز لنفسه بحرف (s) خشية من الملاحقات التي يمكن أن تطال أفراد عائلته، يصف تجربته التي قضاها داخل سجون بلده لمدة أشهر.

يقول (s) إنه قرر الاختفاء عن القوات الأمنية منذ أن علم في أغسطس/آب 2014 أن هناك من يسألون عن انتماءاته السياسية، ومكث شهورا متواريا عن الأنظار، قبل أن يقترف خطأ زيارة والدته في مارس/آذار 2015، ليُعلِم عنه أحد المخبرين فورا ويجد نفسه محاطا برجال مقنعين يلبسون بدلات سوداء ويصوبون بنادقهم نحو وجهه، عندها "اعتقدت أن هذه أسوأ لحظة في حياتي لجهلي بما ينتظرني".

وبدأ العذاب عند وصوله لأول مركز للشرطة، حيث استُقبل بطابورين من عناصر الشرطة مر بينهما و"البساطير" أي قضبان الحديد تنهال عليه ضربا وركلا يتخللها صوت يقول "أهلا بك في الجحيم".

ويضيف أن النيابة قررت بعد 24 ساعة إطلاقه لغياب أي أدلة دامغة ضده، لكن سجانيه كان لهم رأي آخر، إذ أخرجوه من باب خلفي للمفوضية وتوجهوا به إلى مديرية أمن الدولة بمنطقة لاظوغلي، في مرمى حجر من السفارتين الأميركية والبريطانية، وهناك جردوه تماما من ملابسه وانهالوا عليه بالضرب، وتعرض للاستغلال الجنسي لساعات تلك الليلة وهددوه باتخاذ نفس الإجراءات بحق عائلته إن لم يكشف أسماء أصدقائه.

وفي اليوم التالي بدأت "حفلة الشواء" كما يصفها الشاب "ربطوا يدي وقدمي ووضعوني في قضيب حديدي، تماما كما يفعل للدجاج عند شيه، عندها بدأت أصرخ.. طلبت منهم أن يتوقفوا وكان ردهم هو ذاك الذي يعرفه كل النشطاء ممن مروا بنفس التجربة: افد نفسك، هل تريد الجحيم أم الجنة.. أخبرنا عن الجميع وسنفكك".

ورغم أن (s) تعمد عدم الإفصاح عن بعض ما تعرض له خوفا على عائلته في مصر وحياء من ذكر أشياء يجدها أسوأ مما ينبغي ذكره، فإنه وصف مزيدا من العذاب الأليم إذ يقول "لقد صعقوا أعضائي التناسلية، وسكبوا سوائل ساخنة على جسدي (..) وتضاعف حجم أصابعي ثلاث مرات، وتحول لونها إلى الأزرق".

وقد يتساءل أحدهم عن الكيفية التي كان مثل هؤلاء يقضون بها حاجاتهم كبشر، فيرد (s) على هؤلاء بقوله "لا يسمح لك بالذهاب إلى المرحاض إلا مرة واحدة في اليوم عند منتصف الليل، لذلك عليك أن تكبح نفسك، وإذا لم تستطع فلتتبول على نفسك وستظل هكذا طيلة اليوم، أما التغوط فقد لا تحتاجه أصلا لقلة ما تتناوله من طعام".

الشباب بعبع
فالشرطة -كما يقول دبلوماسي غربي في القاهرة- تريد أن تجعل المعتقلين يدفعون ثمن الإذلال الذي عانت منه خلال الثورة الأولى، وهي اليوم تنتقم. والواقع أنه لم يتغير شيء في مصر، فما زالت الشرطة تمارس نفس الانتهاكات التي لا يمكن وصفها، والواقع أن السلطات تخشى المجتمع المدني أكثر مما تخشى الإخوان أو الدوائر الإرهابية، فالشباب هو بعبعهم الحقيقي".

وتلاحظ منظمة العفو الدولية تفاقما وتضاعفا لعمليات الاختطاف وحالات الاختفاء القسري، إحدى الأدوات القمعية للدولة المصرية، بحيث أصبح أي شخص يجرؤ على التعبير عن النقد يتعرض للخطر وذلك منذ تعيين وزير الداخلية الحالي مجدي حميد عبد الغفار.

ويورد "ميديابارت" قصص تعذيب أخرى، مشيرا إلى أن الشهادات تتحدث عن نفسها وتعكس مدى الرعب والإذلال الذي يتعرض له كل معارض للسيسي.

ويرى الأمين العام للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب "غيرالد ستابروك" أن التعذيب له أهداف أخرى تتجاوز مجرد جمع المعلومات "فهناك الخوف الذي ينشره في البلد الذي يكون فيه ممنهجا، وقد لا يكون فعالا كوسيلة لجمع المعلومات، لكنه فعال لتخويف الناس وابتزازهم، وهو أولا وقبل شيء رسالة للمجتمع ككل".

المصدر : الصحافة الفرنسية