"التنصت" أحدث أعداء الصحفيين التونسيين

خميس بن بريك-تونس

رغم ما تعرض له من تضييقات وملاحقات عديدة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي فاقمتها أوضاعه الصحية الحرجة مما كاد يودي بحياته، يخوض المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين الفاهم بوكدوس مع زملائه احتجاجات للتنديد بما اعتبروه تنصتا من وزارة الداخلية على هواتف الصحفيين للتضييق عليهم.
 
يعلم بوكدوس جيدا أن الديمقراطية لا تبنى بالنوايا الحسنة وإنما بالنضال واليقظة والحذر، وهي صفات لم تفارقه حتى وهو يقضي فترة راحة وسط أسرته بمسقط رأسه بمحافظة قفصة (جنوب).

ومع ذلك لا تفارق البسمة لحظة محيا بوكدوس حتى وهو في قمة الغضب مما يعتبرها "تجاوزات خطيرة" تهدد سلامة الصحفيين وتخترق معطياتهم بسبب "التنصت" على هواتفهم لا سيما بعد إقرار وزير الداخلية لطفي براهم بالبرلمان مؤخرا برصد مكالمة بين صحفي وعدد من المحتجين على غلاء الأسعار.

تحت الرقابة
يبتسم بوكدوس كعادته ليجيب بنعم عما إذا كان هاتفه وُضع قيد التجسس. بالنسبة إليه لم يعد الأمر يختلف كثيرا عما كان زمن النظام السابق. لكن حتى بذروة الاستبداد لم تستطع الداخلية إزالة بسمته البريئة رغم التجسس عليه ومطاردته والزج به في السجن وهو يصارع الموت بسبب الربو.

تتهاطل الصور على ذاكرته كحبات المطر مسترجعا دوره بنقل التحركات الاحتجاجية المطالبة بالتشغيل في منطقة قفصة الغنية بالفوسفات قبل ثورة 2011. وقتها كان بوكدوس مراسلا صحفيا لقناة تونسية كانت تبث من فرنسا ثم إيطاليا وموقع إلكتروني معارض. وبسبب ذلك عاقبه النظام.

بوكدوس: التنصت ليس لمراقبة نشاط الصحفيين فحسب وإنما لإمكانية استعمال تفاصيل حياتهم الشخصية لممارسة الضغط عليهم وابتزازهم

ومرتكزا على تجربته القديمة، يقول للجزيرة نت إن التنصت على هواتف الصحفيين لا يهدف فقط لمراقبة نشاطاتهم وإنما لإمكانية استعمال تفاصيل حياتهم الشخصية لممارسة الضغط عليهم وابتزازهم.

ويضيف "هذه الممارسات لم تنته لأن سياسة وزارة الداخلية بقيت على حالها عقب الثورة". فبالنسبة إليه "كلما حاولت الداخلية ضرب الإعلام حركت إحدى آلياتها الرئيسية وهي التنصت". وعودة "التجسس" ربطته بالتغطية الإعلامية للاحتجاجات الرافضة لقانون المالية الجديد وموجة الزيادات بالأسعار، كما أرجعه لتصريحات رئيس الدولة المشككة بحيادية وسائل الإعلام الدولية، وفق رأيه.

وفي الأيام الماضية تم إيقاف مئات المحتجين على قانون المالية بتهم التخريب ردا على أعمال شغب. وأشاد رئيس البلاد الباجي قايد السبسي بجهود الأمن لكنه وجه نقدا لاذعا لمراسلي الصحافة الدولية، بعدها اشتكى مراسلون من تعرضهم لاعتداءات ومصادرة معداتهم والتحقيق معهم.

ممارسات استبدادية
رغم تغلب بوكدوس على المرض وخروجه للاحتجاج لم يكن زميله عضو النقابة زياد الدبار يتوقع ذلك. فقد خرج الأخير من منزل يتقاسم إيجاره مع بوكدوس بـ العاصمة تونس متجها بلا شريكه لنقابة الصحفيين للمشاركة في يوم غضب بينما يتألم قلبه على مرضه.

يعمل الدبار منذ أعوام صحفيا مختصا في الاقتصاد بجريدة "لوتون" الناطقة بالفرنسية وقد اكتسب خبرة بمجال تدريب الصحفيين على السلامة المهنية مع الاتحاد الدولي للصحفيين، ولذلك بات يغير بصفة مستمرة أوقات تحركاته والأهم بالنسبة له أنه يستعمل تطبيقات ذكية لتأمين جميع مكالماته.

الدبار: تلقيت معلومات من مصادر بأن هاتفي مراقب مع عدد من أعضاء نقابة الصحفيين 

بقطع النظر عن "أدلة" أكدت ظنونه بأن هاتفه مراقب مثل سماع الصدى، يقول الدبار للجزيرة نت إنه تلقى معلومات من مصادر -رفض الكشف عنها- أكدت له أنه مراقب مع عدد من أعضاء نقابة الصحفيين. وبسبب ذلك أصبح يعيش حالة من التوجس والقلق خوفا على معطياته الخاصة.

يبرر الدبار دعوة نقابة الصحفيين -أمس الجمعة- لتنظيم يوم غضب بـ "ممارسات استبدادية لوزارة الداخلية واستمرار حالة الإفلات من العقاب لبعض الأمنيين المنتهكين لحقوق الصحفيين وضمنهم نقابي شن حملة تشويه ضد الصحفيين وتوعد باغتصابهم وتعذيبهم".

ويقول "بعض المنتسبين للنقابات الأمنية تحولوا إلى مليشيات بوزارة الداخلية". ورغم ترحيبه بتحرك النيابة العمومية بمحافظة صفاقس (جنوب) لفتح تحقيق في حق أحد الأمنيين بتهمة الإساءة للصحفيين عبر مواقع التواصل، يرى أنه "لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدولة لا تحترم الحريات".

وأكد الدبار أنه يسعى لإعادة وزارة إعلام بشكل هيئة لوضع اليد على الإعلام وتوجيهه بشكل يتماشى مع المعايير الصحفية.

ليس هذا فحسب، إذ يرى أن تلميح مصادر رسمية بإعادة إحياء وكالة الاتصال الخارجي غايته "إرجاع جهاز قديم أفسد الإعلام بسبب شراء ذمم صحفيين ووسائل إعلام أجنبية لتلميع النظام السابق". كما اعتبر أن مشروع قانون زجر الاعتداءات ضد الأمنيين مخالف للدستور ويؤسس للاستبداد.

‪الاحتجاجات انتقدت "الممارسات الاستبدادية" للداخلية واستمرار حالة الإفلات من العقاب لبعض الأمنيين المنتهكين لحقوق الصحفيين‬ الاحتجاجات انتقدت "الممارسات الاستبدادية" للداخلية واستمرار حالة الإفلات من العقاب لبعض الأمنيين المنتهكين لحقوق الصحفيين (الجزيرة) 

لا تعقيب
رغم المحاولات المتكررة للاتصال بالمتحدث باسم الحكومة زياد العذاري أو الناطق باسم الداخلية خليفة الشيباني للرد على هذه الاتهامات، لا أحد يجيب على الهاتف. ولم يصدر أي بيان رسمي للتعقيب.

وكان وزير العلاقة مع المجتمع المدني والهيئات الدستورية وحقوق الإنسان مهدي بن غربية أكد للجزيرة نت أنه لا توجد غاية للحكومة لوضع اليد على قطاع الإعلام أو التضييق على معشر الصحفيين. وقال إن الحكومة مؤمنة بأن حرية الإعلام مكسب رئيسي بعد الثورة ولا يمكن التراجع عنه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نفّذ الصحفيون التونسيون وقفات احتجاجية في إطار "يوم غضب" دعت إليه نقابتهم للتنديد بالانتهاكات التي تعرض لها صحفيون محليون وأجانب مؤخرا، ومحاولات التضييق عليهم من قبل السلطات الأمنية.

دعت نقابة الصحفيين التونسيين اليوم لما أطلقوا عليه "يوم غضب" بعد تكرر الانتهاكات بحقهم خلال الفترة الأخيرة. مهددة بتصعيد احتجاجاتها ضد "محاولات إعادة التضييق" على العمل الصحفي.

شهدت تونس منذ فترة حالة من الاحتقان بسبب زيادة قانون المالية الجديد للضرائب، فضلا عن فرض الحكومة زيادة في أسعار المحروقات واقتطاعها 1% من الرواتب، مما زاد معاناة المواطنين.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة