في مصر فقط.. العقاب أيضا لأهالي المعتقلين السياسيين

الشرطة المصرية لا تكتفي بملاحقة المعارضين بل تسعى للتضييق على عائلاتهم (رويترز)
الشرطة المصرية لا تكتفي بملاحقة المعارضين بل تسعى للتضييق على عائلاتهم (رويترز)

عبد الرحمن محمد–القاهرة

"أنت صحيح تمتلك الكفاءة لكن الأمر ليس بيدي، هذا آخر يوم لك معنا". في البداية، حسبها دعابة أو بشارة بترقية أو نقلا لقسم أعلى، إلا أن ملامح الجدية والارتباك التي ارتسمت على وجه المدير أدخلت أحمد فوزي في حالة صدمة وذهول، خاصة أنه لم تمض بضعة أيام على تكريمه كأكفأ موظفي الشركة.

وفي نبرة عتب تهدف إلى تبرير حديثه، تابع مدير أحد أقسام كبرى شركات صناعة الأسمدة بمصر حديثه لفوزي -الذي يعمل كيميائيا لدى الشركة منذ عامين- بأن نبأ الحكم على شقيقه بالسجن خمس سنوات في إحدى القضايا السياسية، والذي علمته إدارة المصنع، هو الدافع لإقصائه وفصله من العمل.

وعبثا، حاول أحمد فوزي أن يؤكد لمديره ومن ورائه ملاك المصنع أنه لا علاقة له بتوجه أخيه ونشاطه السياسي، ومن ثم لا ينبغي تحميله تبعات ومسؤولية ما يترتب على ذلك، إلا أن محاولاته باءت بالفشل، وانتهى الأمر بإنهاء علاقته بالشركة التي حصل بها على العديد من شهادات التقدير والتكريم.

ولم تنته معاناة أحمد عند هذا الحد، حيث لم يوفق بعدها في الالتحاق بأي شركة أخرى تؤهله خبراته وكفاءته للعمل بها، بسبب الاعتذارات المتلاحقة من إدارتها على خلفية الحكم على شقيقه محمد، الذي بدأ منذ شهور معدودة قضاء محكوميته بالسجن في إحدى قضايا الانتماء لجماعة محظورة.

وفي نهاية المطاف، يجد الشاب المصري نفسه مضطرا لدراسة عروض عمل لشركات خارج الوطن، منها شركات بإحدى المدن السورية الخاضعة لنظام بشار الأسد، حيث سبقه إليها غيره ممن شاركوه الظروف ذاتها، ووجدوا ضالتهم تحت نار المواجهات في سوريا.

اعتداء أحد ضباط الشرطة المصرية على متظاهر أثناء القبض عليه (الجزيرة)

أسلوب نظام
حالة أحمد التي حكاها لمراسل الجزيرة نت تعكس -حسب حقوقيين- أسلوبا يتبعه النظام المصري، ويسعى لتغذيته لدى فئات الشعب المختلفة، في استهداف المعتقلين والإضرار بهم من خلال ذويهم، ويظهر في صور وأشكال متعددة، وصلت إلى حد فصل طفلة من الحضانة بسبب الحكم على والدها في إحدى القضايا السياسية.

وعلى هذا النسق، فوجئت هدى فاضل (اسم مستعار) باستبعاد رعاية الطلاب بإحدى كليات جامعة القاهرة لها من منصب مسؤولة إحدى مجموعات النشاط الطلابي؛ وذلك بسبب اعتقال والدها، كما لم تتصور مريم عادل (اسم مستعار) أن ترفض إدارة كلية الإعلام بإحدى الجامعات الخاصة منحها تصريحا بالتصوير لإعداد مشروع تخرجها، للسبب ذاته.

ولا توجد تقارير رسمية أو حقوقية ترصد إحصائيًّا أعداد من تضرروا بسبب اعتقال أو الحكم على ذويهم في قضايا سياسية، إلا أن شهادات متعددة رصدها مراسل الجزيرة نت وحديث حقوقيين، أكدوا تزايد تعرض ذوي معتقلين سياسيين لهذا التعنت والتضييق.

هذا الأسلوب يراه مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان علاء عبد المنصف عاكسا لحالة الشرخ المجتمعي، وهو أثر من آثار القمع السياسي بمصر، حيث أجبر أصحاب الأنشطة والمشروعات الخاصة، فضلا عن المسؤولين الحكوميين، على معاقبة من هم تحت سلطتهم، بما يعتبرونه جريرة لذويهم المعتقلين على ذمة قضايا سياسية.

وبينما تختلف الآراء حول صاحب السبق في اتباع هذا الأسلوب، يرى عبد المنصف أن الجانب السياسي في الأمر يتماشى مع الانهيارات المتتابعة في القيم لدى المجتمع المصري وتخليه عن الخطوط الحمراء التي كانت لديه في السابق، لكنه لا ينفي أن تكون هذه التصرفات محاولة للهرب من بطش النظام.

ويحذر مدير المنظمة الحقوقية من خطورة هذا الأسلوب، بإشارته إلى أن معالجة الأخطاء السياسية والانهيارات الاقتصادية مهما عظمت يمكن خلال مرحلة زمنية قصيرة، إلا أن معالجة أثر هذا الأسلوب، والتئام المجتمع بعد ما أثمره من شرخ فيه، سيحتاج إلى فترات زمنية طويلة تتجاوز عمر الأجيال الحالية.

أقارب بعض المعتقلين ينتظرون السماح لهم بزيارة أبنائهم المحبوسين في سجن طرة (الجزيرة)

تغول السلطة
ويرى مسؤول الملف المصري بالمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا مصطفى عزب أن هذا الأسلوب يأتي نتيجة تغول السلطة التنفيذية على كافة المؤسسات العامة والخاصة، وانتشار القمع بشكل غير مسبوق، وانتهاك حقوق الإنسان بغرض الإرهاب الذي يأتي هذا الأسلوب كواحدة من صوره.

ويرصد عزب في حديثه للجزيرة نت ضمن هذه المنهجية المتبعة من قبل المؤسسات العامة والخاصة، حرمان ذوي المعتقلين من المنح التعليمية والتعيين في الوظائف العامة أو الالتحاق بالكليات العسكرية، وكذلك الفصل التعسفي من العمل أو الفصل من الجامعات والمدارس تحت مبرر التقارير الأمنية.

هذه الممارسات -حسب تقديره- غير أخلاقية، وتعبر عن حجم الفساد والانهيار الذي تعاني منه المؤسسات المصرية المختلفة، لافتا كذلك إلى العجز عن مواجهة هذا الأسلوب حتى من قبل مؤسسة القضاء، فحتى لو حصل أحد المتضررين على حكم من القضاء الإداري فلن يكون قادرا على تنفيذه.

الإعلام المؤيد للسلطات له دور رئيسي في شيوع هذا الأسلوب، حسب ما يرى وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى السابق عز الدين الكومي؛ فحملات التحريض والتفرقة بين أبناء الشعب، ودعم التفرقة العنصرية البغيضة التي يتبعها النظام تؤتي ثمارها مع فئات من المجتمع المصري المؤيدة للسلطات الحالية أو الخائفة من بطشه.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن ذلك يتعارض بشكل واضح مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من الإقرار بما لجميع أعضاء أسرة المحكوم عليه من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، وتمتع بالحرية المدنية والسياسية التي تحرره من الخوف والفاقة.

المصدر : الجزيرة