صحفيو العراق.. بين تكميم الأفواه وأزيز الرصاص

العديد من صحفيي العراق يشتكون من تجاوزات مسلحين عشائريين (الجزيرة)
العديد من صحفيي العراق يشتكون من تجاوزات مسلحين عشائريين (الجزيرة)

مروان الجبوري-بغداد

لا ينفك الحديث عن حرية التعبير يحدث جدلا مستمرا في الساحة العراقية، ومع كل أزمة تمر بها البلاد تكون الصحافة والعاملون فيها في مقدمة الضحايا، وخاصة في الحروب وحركات الاحتجاج التي شهدها العراق خلال الـ 15 عاما الماضية.

وقد أحدث القرار الذي أصدرته هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية -مؤخرا، والقاضي بمنع التعرض بالإساءة للرموز "الدينية والوطنية"- ردود فعل رافضة في أوساط الصحفيين، وأعلن عشرات العاملين في الإعلام رفعهم لمذكرات احتجاج على هذا القرار مطالبين بإلغائه.

وهدد البيان -الذي أصدرته الهيئة- المخالفين باتخاذ "الإجراءات القانونية" بحقهم، إلا أن ردود الفعل الغاضبة دفعتها لإصدار بيان آخر نفت فيه أن يكون قراراها موجها لتكميم الأفواه، مضيفة أنها "تدعم كافة الجهات الإعلامية في الاستفادة من مساحة حرية التعبير الممنوحة لها بموجب الدستور والقوانين النافذة".

ووفقا لمصدر في الهيئة رفض ذكر اسمه، فإن القرار جاء تنفيذا لقرار أصدرته الأمانة العامة لمجلس الوزراء ويقضي بضرورة منع التجاوز على هذه الشخصيات "من أجل الحفاظ على السلم المجتمعي".

وأضاف المصدر للجزيرة نت أن الهيئة مؤسسة حكومية وهي ملزمة بتطبيق قرارات الدولة، وقد تسلمت توجيهات مباشرة بمنع التجاوز على الرئاسات العليا والمرجعيات الدينية "من أجل عدم إثارة النعرات الطائفية والقومية".

‪اتهام نقابة الصحفيين بضعف مواقفها في الدفاع عن منتسبيها‬ اتهام نقابة الصحفيين بضعف مواقفها في الدفاع عن منتسبيها (الجزيرة)

مليشيات وأحزاب
ويرى الخبير القانوني طارق حرب أن قرار الهيئة يستند إلى المادة 372 من قانون العقوبات والتي تمنع إهانة أي رمز ديني لأي طائفة أو مكون، دون أن يعني ذلك منع الحديث أو النقاش حول بعض هذه الشخصيات "ضمن الحدود الموضوعية التي لا تجاوز فيها".

ويؤكد للجزيرة نت أنه لا توجد جهة تستطيع تقييد حرية التعبير، لأنها مكفولة ومضمنة في الدستور "طالما أنها لا تضر أحدا أو تحدث شرخا اجتماعيا" وكان الأولى بالهيئة أن تنشر نص المادة القانونية حتى لا تعطي المبرر للآخرين باتهامها بالتجاوز والاعتداء على حرية التعبير، على حد قوله.

أما مدير مرصد الحريات الصحفية زياد العجيلي فيعتبر أن الصحفيين ما زالوا يواجهون خطورة في ظل وجود أزمات سياسية وفساد مالي مستشر في دوائر الدولة.

وبحسب العجيلي فإن نحو 302 صحفي قد قتلوا في العراق منذ عام 2003، منهم حوالي 177 تعرضوا لاستهداف مباشر، بينما سقط 28 منهم بانفجارات في أماكن عامة، ولم تجر تحقيقات لتوضيح طبيعة استهداف الباقين.

ويشير مدير المرصد -الذي يشرف عليه صحفيون مستقلون- إلى أن المخاطر ما زالت قائمة في ظل وجود سلطة مبعثرة بين مليشيات مسلحة وأحزاب متورطة بملفات فساد، بحسب تعبيره.

‪العجيلي: المخاطر ما زالت قائمة في ظل وجود مليشيات مسلحة وأحزاب متورطة بملفات فساد‬ العجيلي: المخاطر ما زالت قائمة في ظل وجود مليشيات مسلحة وأحزاب متورطة بملفات فساد (الجزيرة)

ويؤكد العجيلي للجزيرة نت أن وجود الهيئة "غير قانوني" وهي تمثل حزب الدعوة منذ تأسيسها، وأن قراراتها تصب في صالح الحكومات المتعاقبة "دون اعتبار لمصالح الصحفيين".

ضعف النقابة
وشهدت السنوات الماضية مقتل وإصابة واختطاف واعتقال العديد من الصحفيين، وقد صنفت منظمة "صحفيون بلا حدود" العراق في وقت سابق كأحد أخطر الدول على حياة الصحفيين، إلى جانب كل من سوريا وأفغانستان والمكسيك ودول أخرى.

ورغم تراجع حدة استهداف الصحفيين مؤخرا فإن الشهور الأخيرة سجلت عدة اعتداءات بحقهم، كان آخرها اعتقال الصحفي سيف العزاوي مدير صفحة "الأعظمية نيوز" بموقع فيسبوك على يد قوة أمنية، بناء على شكوى تقدم بها ضده أحد أعضاء مجلس النواب، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد أيام.

ويشتكي صحفيون من ضعف دور نقابتهم وعدم تحركها للدفاع عن قضاياهم، معللين ذلك بتوجهها العام المساند للحكومة، معتبرين أن العاملين بمؤسسات غير حكومية لا يحظون بأي مؤازرة أو مساندة من قبل هذه النقابة.

ويرجع الصحفي هيثم أحمد كثيرا من المخاطر التي يتعرض لها العاملون بالإعلام إلى تعدد مصادر القرار الأمني، مما يتطلب توفر علاقات شخصية قوية مع بعض المسؤولين، لضمان عدم الوقوع في متاعب، ولعدم وجود "احترام كاف" للمهنة.

ويصف موقف النقابة تجاه منتسبيها بالضعيف، مؤكدا عدم حصول أي من أسر ضحايا الصحافة على تعويضات وحقوق كفلها لهم "قانون حماية الصحفيين" الذي ينص على تعويض أسر القتلى أو المصابين براتب تقاعدي مدى الحياة.

‪سرمد القيسي تعرض لتهديد عشائري بالقتل واضطر للهجرة‬ سرمد القيسي تعرض لتهديد عشائري بالقتل واضطر للهجرة (الجزيرة)

مخاطر اجتماعية
ولا تبدو حراب السلطة وأحزابها وحدها من يهدد حرية التعبير، فبعض "الخطوط الحمراء" الاجتماعية باتت هاجسا يؤرق الصحفيين، ويدفعهم لتجنب الخوض في العديد من القضايا رغم أهميتها وخطورتها.

الصحفي سرمد القيسي أحد الذين تعرضوا لتهديد مباشر بالقتل من قبل إحدى العشائر، بعد أن قام بإنجاز تقرير عن امرأة تقود سيارة أجرة في بغداد، مما عرضه للاتهام بتشويه سمعة أسرتها، وقام بعض أقاربها بتهديده ومحاولة الاعتداء عليه، مما دفعه لمغادرة البلاد.

ويقول القيسي للجزيرة نت إن تخلي المؤسسات الصحفية عن عامليها -بعد تعرضهم للتهديد خوفا من عمليات انتقامية للمليشيات والعشائر المسلحة- يعد من أبرز المخاطر التي تواجه الصحفي في العراق.

ومنذ الأزمة التي تعرض لها قبل نحو عام وخروجه من العراق إثر ذلك، يؤكد القيسي أن أي جهة حكومية لم تتصل به لتؤكد تضامنها وحمايته من سطوة العشائر "الخارجة على القانون".

ومع أن "المركز العراقي لدعم حرية التعبير" وكل له محاميين ليتابعا الإجراءات القانونية الخاصة بقضيته، فإن الأجهزة الأمنية لم تتدخل في هذا النزاع لأنها تفضل عدم الدخول في صدام مع العشائر، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نظمت نقابة الصحفيين الفلسطينيين وقفة احتجاج ضد استهداف الاحتلال الصحفيين بشكل مباشر بالأحداث الأخيرة بغزة، ووفاء للمصور ياسر مرتجى الذي استشهد برصاص القناصة الإسرائيليين رغم ارتدائه شعار الصحافة.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة