الإهمال الطبي بالسجون المصرية.. هل أصبح أداة لتصفية المعارضين؟

منظمات حقوقية مصرية ودولية تقول إن هناك "ظاهرة إهمال طبي متعمد" في السجون المصرية (الجزيرة)
منظمات حقوقية مصرية ودولية تقول إن هناك "ظاهرة إهمال طبي متعمد" في السجون المصرية (الجزيرة)
في أحدث حالة من حالات وفاة المعارضين نتيجة الإهمال الطبي في السجون المصرية، توفي المعتقل سامي محمد أبو جبل في سجن طنطا (شمال القاهرة) بعد تدهور حالته الصحية بسبب الإهمال الطبي.

أبو جبل (62 عاما) متزوج وله خمسة من الأبناء، كان يقضي حكما بالسجن ثلاث سنوات، منذ اعتقاله في مايو/أيار 2017.

وكشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن أن أبو جبل سبق اعتقاله ثلاث مرات منذ الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز 2013 على خلفية مواقفه السياسية.

وحمل المركز الحقوقي إدارة سجن طنطا ومصلحة السجون مسؤولية وفاة المعتقل بسبب الإهمال الطبي المتعمد، مطالبا النيابة العامة بالتحقيق في تلك الواقعة والوقائع المشابهة، وإحالة المتورطين فيها للمحاسبة.
 
وفاة أبو جبل تأتي استمرار لما وصفته منظمات حقوقية مصرية ودولية "بظاهرة الإهمال الطبي المتعمد" في السجون المصرية، التي تقول المعارضة إنها تهدف إلى تصفية المعارضين، في حين تقول الحكومة المصرية إنها حالات وفاة طبيعية، وإنها توفر الرعاية الصحية لكافة المسجونين، سواء في مستشفيات السجون، أو المستشفيات العامة إذا تطلب الأمر.

وتقول المنظمات الحقوقية إن عدد المعتقلين السياسيين في مصر يفوق ستين ألف معتقل منذ إطاحة الجيش بالرئيس المعزول محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز 2013، لكن السلطات المصرية تنفي هذه الأرقام، وتقول إن السجون لا تضم سوى سجناء بأوامر قضائية.

وما بين الثالث من يوليو/تموز ومايو/أيار 2015، بلغت الوفيات في السجون 170 معتقلا، بحسب لائحة أصدرتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، والتي أوضحت أن بعض المحتجزين توفوا جراء "تعرضهم للتعذيب حتى الموت، والبعض الآخر جراء الإهمال الطبي المتعمد بعدم تقديم العون الطبي"، فضلا عن "سوء الرعاية الصحية والفساد المستشري في إدارات السجون ومقرات الاحتجاز بأقسام ومراكز الشرطة".

 

وفيات مستمرة
حالات الوفاة لم تتوقف عند هذا الرقم، فحسب بيان لمركز عدالة للحقوق والحريات، صدر في أبريل/نيسان 2018؛ توفي 39 معتقلا في السجون المصرية في الفترة بين 2015 والربع الأول من 2018، وشهد عام 2017 النسبة الأكبر لحالات الوفاة، كما شهد سجن محافظة المنيا (جنوب القاهرة) العدد الأكبر لحالات الوفاة، يليه مجمع سجن طرة في القاهرة، وكانت أبرز الأمراض التي عانى منها المتوفون السرطان والفشل الكلوي.

تزايد حالات الوفاة نتيجة الإهمال الطبي في السجون دفع مركز "النديم لمناهضة العنف والتعذيب" ومركز "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" إلى إصدار بيان مشترك بعنوان "يا تعالجوهم يا تفرجوا عنهم.. الإهمال الطبي في السجون جريمة"، متناولا واقع الرعاية الصحية للمسجونين في عدد من السجون المصرية، بالإضافة إلى شهادات السجناء وذويهم.

التقرير الصادر في مايو/أيار 2017 رصد تدني مستوى الخدمات الطبية داخل السجون، بالإضافة إلى غياب آليات المراقبة والمتابعة لأداء أطباء السجون، والنقص الحاد في أنواع كثيرة من الأدوية الضرورية داخل مستشفى وعيادة السجن، وصعوبة نقل السجناء إلى المستشفيات العامة خارج السجون.

وأشار التقرير إلى صعوبة الملاحقة القانونية لمرتكبي الإهمال الطبي داخل السجون، وخلُص إلى ضرورة تعديل التشريعات المصرية بحيث تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والعمل بشكل جاد على تطبيق القوانين على أرض الواقع، والتشديد على ضرورة وجود رقابة حقيقية معلنة ومستمرة على السجون لضمان تحسين الأوضاع.

وبشكل صريح، اتهمت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" الأجهزة الأمنية المصرية "بالإمعان في قتل المعارضين والمعتقلين باحتجازهم في ظروف غير إنسانية ومنع الدواء عن المرضى منهم".

وأوضحت المنظمة أن السلطات المصرية لا تريد اتخاذ موقف جاد لمحاولة تحسين أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز غير اللائقة بتاتًا بآدمية المحتجزين داخلها، رغم أن بعضهم يصاب بالأمراض نتيجة تلوث أماكن الاحتجاز، واكتظاظ عدد المعتقلين داخلها، مع عدم تلقي المرضى رعاية صحية مناسبة، ومنع دخول الأدوية، مما ينقل العدوى بسرعة بين المعتقلين.

وفي بيان أصدرته في 25 أبريل/نيسان 2018، طالبت المنظمة الحقوقية بفتح تحقيق دولي في ظروف الاحتجاز في السجون المصرية، بعدما دق جرس الإنذار في تزايد أعداد القتلى داخل السجون، مع وقوع حياة نحو خمسة آلاف معتقل مريض في خطر، بعد تهديد حياتهم وتردي حالتهم الصحية.

حالات الإهمال الطبي وصلت إلى أسماء معارضة بارزة مثل عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق، المعتقل منذ فبراير/شباط 2018 على خلفية لقاءات تلفزيونية انتقد فيها سياسات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خاصة في ما يتعلق بالأجهزة الأمنية والتوسع في الاعتقالات والتعذيب.

أبو الفتوح (67 سنة) تعرض لوعكات صحية داخل السجن، مما دفع تسع منظمات حقوقية إلى إصدار بيان مشترك تعرب فيه عن بالغ استيائها واستنكارها للإهمال الطبي "المتعمد" في السجون وأماكن الاحتجاز، التي وصلت في حالة أبو الفتوح - على سبيل المثال لا الحصر- إلى حد القتل البطيء، مما يعكس "افتقار السلطة الحالية لأخلاقيات الخصومة السياسية"، بحسب وصف البيان. 

المصدر : الجزيرة