هل تحولت ثورة الياسمين بتونس للعنة تلاحق أبناءها؟

من احتجاجات لجرحى الثورة أمام البرلمان التونسي للمطالبة بنشر قائمة الجرحى والشهداء (الجزيرة)
من احتجاجات لجرحى الثورة أمام البرلمان التونسي للمطالبة بنشر قائمة الجرحى والشهداء (الجزيرة)
تونس-آمال الهلالي

ثماني سنوات مضت ولم يندمل جرح محمد بن عون الذي لا يزال جسده يحمل آثار رصاصة غادرة اخترقت أسفل قدمه، في حين شقت أخرى صدر شقيقه رياض فأردته قتيلا، وذلك خلال مواجهات مع شرطة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بمدينة دوز التابعة لمحافظة قبلي جنوبي تونس يوم 12 يناير/كانون الثاني 2011.
يقول محمد للجزيرة نت إن معاناته ومعاناة أرملة شقيقه وابنها اليتيم تتفاقم سنة بعد أخرى، في ظل تجاهل الحكومات المتعاقبة لمطالب العائلة بإنصافهم ورد الاعتبار لكرامتهم من خلال نشر القائمة النهائية لجرحى وشهداء الثورة، والتي لا تزال حبيسة أروقة الحكومة.
ويتابع بمرارة "نظرات الاحتقار والشماتة التي أشعر بها وغيري من جرحى الثورة كل يوم من بعض المسؤولين في الدولة، وحتى من بعض التونسيين الذين لا يزال الحنين يشدهم إلى عهود الاستبداد، هي أشد وطأة من الرصاصة نفسها، لكننا لن نستسلم وسنواصل الكفاح حتى لا يضيع حق دماء الشهداء وصرخات عائلاتهم".
قصة محمد واحدة من مئات القصص المليئة فصولها بمشاعر الألم والخذلان التي تشعر بها عائلات شهداء الثورة التونسية وجرحاها كل يوم، بينما اختار بعضهم التحرك ضمن وقفات احتجاجية واعتصامات بين مقار رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وأمام البرلمان.
ورغم انتهاء "الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية" من ضبط القائمة النهائية لشهداء وجرحى الثورة، وإرسالها لرئاستي الحكومة والجمهورية منذ أبريل/نيسان الماضي، فإنها لم تنشر في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية حتى اللحظة.
ويعول كل من جريحي الثورة فتحي لهول وأكرم المناعي على نشر القائمة النهائية ليتمكنا من نيل أبسط حقوقهما بوصفهما مواطنيْن تونسيين، مثل الحق في مجانية العلاج والنقل العمومي، بعد انتهاء صلاحية بطاقاتهما ورفض الجهات الرسمية تجديدها إلى حين الاعتراف بهما بشكل رسمي.
ولا يخفي هذان الشابان مشاعر المرارة التي بدأت تتعاظم في نفسيهما سنة بعد سنة مع تواصل التجاهل الرسمي لمعاناتهما، ويرفضان خلال حديثهما للجزيرة نت أن يختزل رد الاعتبار لكرامتهما عبر التعويضات المادية.
من اليمن الناشط عادل بن غازي والجريح محمد بن عون (الجزيرة)
حملة "سيب القائمة"
وغير بعيد عن هواجس جرحى الثورة، يمضي الناشط الحقوقي عادل بن غازي للدفاع بكل ما أوتي من قوة عن ملف هؤلاء انطلاقا من إيمانه بالثورة، كما يقول للجزيرة نت، ولحرصه على "كتابة صحيحة لتاريخها دون تحريف".
ويرى محدثنا أن "طريق الثورة واستكمالها لأهدافها لا يزال متعثرا طالما لم ترد الدولة الاعتبار لمن واجهوا بصدورهم العارية رصاص بن علي، ليتمتع الشعب والساسة اليوم بالكرامة والحرية".
عادل دشن منذ أسابيع حملة عبر شبكات التواصل الاجتماعي حملت شعار "سيب القائمة" (أي "أفرج عن القائمة")، في رسالة مباشرة من عائلات شهداء الثورة وجرحاها لرئيس الحكومة لنشر القائمة النهائية في الجريدة الرسمية لتونس.
وشارك في الحملة عائلات وجرحى الثورة من محافظات عدة من شمال تونس إلى جنوبها عبر تسجيلات بالصوت والصورة، تدعو فيها رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد لنشر القائمة النهائية.
من جانبه، يقول رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية توفيق بودربالة للجزيرة نت إن الهيئة قامت بمهمتها على أكمل وجه من خلال حصر القائمة النهائية لجرحى الثورة وشهدائها، وقدمتها لكل من رئيس الجمهورية في الثاني من أبريل/نيسان 2018 ورئيس الحكومة يوم 13 أبريل/نيسان 2018 الذي وعده بنشرها في الجريدة الرسمية وفق ما ينص عليه القانون.
ولم يخف بودربالة امتعاضه من الصمت المطبق حتى اللحظة لرئاسة الحكومة، وتجاهلها رسالة الهيئة بتاريخ 27 أغسطس/آب 2018 حول مصير قائمة الشهداء والجرحى وطلب الإذن بنشرها، موضحا أن القانون المنظم لعمل الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية يمنح فقط رئيس الحكومة صلاحية كل ما يتعلق بالهيئات العمومية.
المصدر : الجزيرة