مصر: أحكام مخففة ترسخ إفلات الشرطة من العقاب

تكرار حوادث التعذيب من قبل الشرطة في مصر قوبل بإدانات حقوقية واسعة (رويترز-أرشيف)
تكرار حوادث التعذيب من قبل الشرطة في مصر قوبل بإدانات حقوقية واسعة (رويترز-أرشيف)

قضت محكمة الجنايات في مصر بمعاقبة ضابط شرطة بالسجن ثلاث سنوات، كما عاقبت أمين شرطة بالسجن ستة أشهر، إثر اتهامهما بقتل شاب بعد ضربه وتعذيبه.

وتعالت أصوات أهالي الضحية بالصراخ اعتراضا على الحكم، في حين وقعت بعض حالات الإغماء بين سيدات العائلة.

وتعيد هذه الأحكام المخففة إلى الواجهة حوادث متكررة من التعذيب والقتل على أيدي الشرطة المصرية، حصل فيها المتهمون على أحكام بالبراءة أو أحكام مخففة.

وتعود تفاصيل القضية وفقًا لما كشفته التحقيقات، إلى فجر 5 يناير/كانون الثاني الماضي، حيث ألقى ضابط وأمين شرطة بقسم المقطم (جنوب المقطم) القبض على شاب يدعى محمد عبد الحكيم الشهير باسم "عفروتو"، واقتاداه إلى قسم الشرطة حيث عذباه بدنيا وتعديا عليه ضربًا وصفعًا بالأيدي حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.

وإثر تواتر الأنباء عن مقتله داخل محبسه، تظاهر أهالي الضحية وأصدقاؤه أمام قسم الشرطة، ووقعت اشتباكات أسفرت عن إصابة تسعة من الأهالي وتحطيم سبع سيارات شرطة، مما أدى إلى تدخل قوات الأمن المركزي لفض الاشتباكات.

وأرجع تقرير الطب الشرعي وفاة المجني عليه إلى أنه يعاني من "انسكاب دموي رأسي الوضع مقابل الضلع السابع الأيسر على الخط الإبطي الأمامي، وكسر بالضلع السابع الأيسر، وكدمة بالحافة السفلية في الفص السفلي للرئة اليسرى، وتهتكات شديدة بالطحال ونزيف دموي إصابي بتجويف البطن".

وفي 15 يناير/كانون الثاني الماضي، أحالت النيابة العامة المتهمين إلى محكمة الجنايات بتهمتي ضرب أفضى إلى موت والاحتجاز دون وجه حق للمجني عليه. 

الشرطة المصرية تواجه اتهامات بالاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب (رويترز-أرشيف)

حوادث متكررة
ولم تكن هذه الحادثة الأولى التي تقضي فيها المحاكم المصرية بأحكام مخففة على ضباط متهمين بالقتل أو التعذيب. ففي 27 مارس/آذار 2016 خففت محكمة جنايات الإسكندرية حكما بحبس ضابط أمن الدولة السابق أسامة محمد عبد المنعم الكنيسي إلى ثلاث سنوات مع الشغل، بتهمة قتل سيد بلال.

ووجهت المحكمة للمتهم اتهامات "القتل الخطأ"، والقبض على بلال دون وجه حق، وتعذيب خمسة من زملائه على خلفية التحقيقات معهم في أحداث تفجيرات كنيسة القديسين التي وقعت ليلة احتفالات رأس السنة 2011. وكانت محكمة الجنايات قررت يوم 16 أبريل/نيسان 2012 حبس الكنيسي 15 سنة بعد إعادة محاكمته لحصوله على حكم المؤبد غيابيًا.

وفي 7 أبريل/نيسان 2017 أخلت محكمة جنايات القاهرة سبيل ضابط قسم شرطة الأميرية، المتهم في قضية تعذيب وقتل المواطن مجدي مكين؛ بكفالة مالية قدرها خمسة آلاف جنيه.

وكانت النيابة نسبت للمتهمين تهمة تعذيب أفضى إلى الموت، والتزوير في محضر الواقعة. وأثبت تقرير الطب الشرعي تعرض المجني عليه للتعذيب، وتوافق مع أقوال زملائه خلال التحقيقات، حيث تبين أن السبب الحقيقي وراء الوفاة هو التعذيب من خلال الوقوف على ظهره، مما أسفر عن إصابته بصدمة عصبية في الوصلات العصبية بالنخاع الشوكي، نتجت عنها جلطة في الرئتين أودت بحياته في الحال.

وفي 8 مارس/آذار 2018 خففت محكمة جنح النقض بالقاهرة حكم السجن على المقدم عمرو فاروق؛ إلى خمس سنوات، والحبس سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ للنقيب إبراهيم محمد المرسي والملازم محمد يحيى عبد العزيز والملازم إسلام عبد الفتاح حلمي، بتهمة قتل 37 شخصا وإصابة 8 آخرين في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية "سيارة الترحيلات".

إدانات حقوقية
تعدد أحكام البراءة أو الأحكام المخففة بحق ضباط الشرطة دفع العديد من المنظمات الحقوقية الدولية إلى إدانة تواصل التعذيب دون محاكمة للضباط.

ففي 11 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنها "وثقت نمطا من التعذيب المنهجي للمحتجزين في مراكز الاعتقال السرية التابعة لقطاع الأمن الوطني ومراكز الشرطة لجمع معلومات حول المشتبه في معارضتهم وإعداد قضايا تكون في كثير من الأحيان ملفقة ضدهم".

وأضاف بيان المنظمة أن "المنظمات الحقوقية المحلية وثقت مئات حالات الاختفاء خلال السنوات الخمس الماضية. وعلى الرغم من أن قطاع الأمن الوطني مسؤول عن أكثر الانتهاكات الصارخة ضد السجناء، لم يُدَن أي ضابط في القطاع عن هذه الجرائم في حكم قضائي نهائي في تاريخ مصر الحديث".

حصانة رئاسية
عند كل حادثة مشابهة، يتداول نشطاء التواصل الاجتماعي فيديو يعتبره البعض حصانة لضباط الشرطة من المحاكمات في قضايا التعذيب. ففي 3 أكتوبر/تشرين الأول 2013 نشرت شبكة "رصد" الإخبارية فيديو لوزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي، يؤكد أنه لا محاكمات للضباط إذا تسببوا في مقتل أو إصابة المواطنين أثناء فض المظاهرات، مشيرًا إلى أن المتظاهرين أدركوا هذه المعادلة الجديدة.

ورغم أن السيسي يتحدث عن فض المظاهرات، فإن نشطاء حقوق الإنسان في مصر اعتبروه "ضوءا أخضر" لضباط الشرطة للعودة إلى التعذيب الذي يؤدي إلى الوفاة في بعض الحالات. 

المصدر : الجزيرة