السجناء السياسيون بمصر.. لعنة الزنازين تلاحقهم بعد الخروج

المعاناة داخل السجون تتطلب تأهيلا نفسيا بعد الخروج منها (الجزيرة)
المعاناة داخل السجون تتطلب تأهيلا نفسيا بعد الخروج منها (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة

خرج الشاب المصري أحمد من السجن الانفرادي الذي قضى فيه عاما بسبب اتهامات سياسية برأه منها القضاء ليعيش معتزلا الناس ومسكونا بالهواجس، ونصح اختصاصيون نفسيون الأهل بألا يتركوه وحده.

لكن أحمد اضطر إلى الاختباء في قبو بناية تحت الإنشاء لأيام هربا من مطاردات الشرطة لنشطاء قريته البصارطة بدمياط شمالا لكنه وقع فريسة اكتئاب أدى به إلى الانتحار.

أحمد واحد من 12 ألف سجين سياسي سابق برأهم القضاء بعد سنوات الحبس الاحتياطي، بحسب التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، ولا تزال المحاكم تنظر قضايا نحو 33 ألف سجين سياسي.

آخر سنوات السجن تسببت في إصابة العديد منهم باضطرابات نفسية، وتفاقمت أزماتهم الأسرية وانتهى بعضها بالطلاق، وفق روايات عديدة لمقربين من سجناء سابقين.

أحد هؤلاء محمد من مدينة أبنوب في أسيوط الذي دخل السجن بتهمة الانضمام لجماعة محظورة، ولدى خروجه أصيب بشرود وذهول حاديْن من فرط التوحد مع أزمة أهله خارج الأسوار الذين لم يكن لهم عائل غيره.

ذهب أقارب محمد به إلى مصحة نفسية فنصحهم الاختصاصيون هناك بألا يشعروه بفقدهم ولو للحظة حتى لا يستدعي عقله الباطن تلك اللحظات التي كان يفتقدهم فيها فينتكس.

ولا تزال زوجة محمد تقص عليه تفاصيل ما جرى في غيابه فيسترد وعيه بعالمه حينا، ويرتد للذهول أحيانا، وبينهما يعاني الأهل من شروده الذي ينساهم خلاله.

  أحمد أبو زيد تعافى من تجربة السجن نتيجة مساندة الأهل والأصدقاء والانخراط في أنشطة حقوقية (الجزيرة)

توجس
سجين الرأي السابق أحمد أبو زيد امتدت فترة سجنه في قضية نشر أخبار كاذبة لأقل من عام كانت كافية لتدمير نفسيته لفداحة المعاناة داخل سجنه بسبب الإهمال الطبي والازدحام داخل أماكن الاحتجاز، مضيفا أنه "لا خصوصية ولا كرامة لسجين بمصر".
 
وعقب خروجه انخرط أبو زيد في مجال مناهضة الحبس في قضايا الرأي، مما عوضه عن انسحاب بعض المعارف من حوله لاحقا بعدما شعروا بأنه لا يزال تحت مراقبة الأمن.
 
ويقول أبو زيد إنه ظل لفترة مسكونا بالتوجس ضد من يتقرب إليه "خوفا من أن يكون المتقرب مخبرا من أجهزة الأمن"، حيث كان يغير كل فترة محل إقامته.   

عزت غنيم يؤكد أهمية دعم أسرة السجين له (الجزيرة)

التأهيل
وتنصح الأستاذة المساعدة في قسم الأمراض النفسية بجامعة بنها شويكار البكري أهل السجين الحالي بضرورة "مراعاة أنه منعزل عن المجتمع، وممنوع من ممارسة أدواره فيه" لذلك فعليهم "أن يشاركوه اهتماماتهم، وإطلاعه على ما يجري خارج الأسوار باستثناء ما يؤلمه ويشعره بالعجز عن فعل شيء إزاءه". 

وتطالب البكري إدارة السجون بتدريب العاملين فيها بمجال الإرشاد النفسي والصحة العقلية.

وينبه مدير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم إلى أهمية أن أسرة السجين تحتاج هي الأخرى للدعم النفسي، مشيرا إلى إغلاق السلطات مركز النديم الذي كان يقدم دعما نفسيا للسجناء وضحايا التعذيب.

ويضيف أن الدعم النفسي المقدم حاليا بعد إغلاق المركز أصبح "غير منظم وغير احترافي وسيفاقم أزمات السجين السابق نتيجة فقدان ذويه من يقدم لهم برامج إرشاد نفسي تعينهم على التعامل معه".

وليس لدى أي من الجهات الرسمية المعنية بما فيها مجلس حقوق الإنسان أي بيانات تخص حالات الانتحار أو الاضطرابات النفسية التي صاحبت السجناء السياسيين السابقين.

لذلك لا تزال السجون المصرية تلفظ كل يوم عشرات من سكانها الأبرياء، لكنها تظل تسكنهم بأوجاعها العصية على الرحيل.

المصدر : الجزيرة