خيانة مضاعفة للأطفال اللاجئين

غوردون براون*

من سوريا إلى ميانمار، يتحول الأطفال الذي يقعون في مرمى نيران الصراعات إلى ضحية لخيانة مزدوجة. فبعد إرغامهم على ترك ديارهم في أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحوا الآن الضحايا الأبرياء لوعد مهجور بتمكينهم، حتى بوصفهم لاجئين، من الالتحاق بالمدرسة. وحتى في حين تتفاقم ظروفهم سوءا وتتزايد أعدادهم، تستمر محنتهم دون أن يلتفت إليهم أحد.

يبدو أن الهتاف الصاخب الذي استقبلت به تعهدات المساعدات الإنسانية الماضية أفسحت المجال الآن لصمت مخز. ففي حين تدور عجلة الأخبار وتتحول التغطية إلى أحداث أكثر إثارة، تتضاءل احتمالات عودة 75 مليون طفل وشاب في مختلف أنحاء العالم توقف تعليمهم بفعل النزوح القسري إلى المدارس.

لعله ليس من قبيل المصادفة ألا يتحقق وعد التعليم لجميع اللاجئين في سن المدرسة. ولن يكون أي قدر من حسن النوايا كافيا للتغلب على بنية المساعدات الدولية التي تظل تعمل ضد الأطفال. فلا يزال الإنفاق على التعليم محاصرا بين المساعدات الإنسانية، التي تركز على الضروريات الأكثر أساسية للبقاء مثل الغذاء والمأوى والدواء، وبرامج المساعدات الإنمائية التي يجري التخطيط لها على مدى سنوات وهي أبطأ من أن تستجيب للأزمات. ونتيجة لهذا، كثيرا ما يلقى التعليم معاملة الأولوية الدنيا، فهو آخر ما يمول وأول ما يخضع تمويله لإعادة التوجيه.

على سبيل المثال، من منطلق إدراكه للفجوات في الإنفاق على المساعدات، قرر منسق إغاثة الطوارئ في الأمم المتحدة للتو تخصيص مبلغ إضافي قدره 45 مليون دولار لدعم عمليات الإغاثة في أفغانستان وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان. ولكن هذه الأموال، على الرغم من أهميتها الشديدة، غير كافية على الإطلاق، ولن يذهب منها نحو توفير التعليم سوى جزء ضئيل. من ناحية أخرى، تقوم منظمات مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) بعمل إنساني جدير بالثناء، ولكنها تظل مفتقرة إلى التمويل الكافي.

في العام الفائت، أنشئ "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر" لسد فجوة التمويل وضمان حماية التعليم عند وقوع الكوارث. وكان هذا التطور مشجعا وحظي بدعم هيئات الأمم المتحدة كافة. ولكن الحقيقة المثبطة للعزيمة هي أن التمويل لم يواكب الاحتياج.

ومع ذلك، لم تكن رياح التمويل المعاكسة كافية لتثبيط طموح "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر" بقيادة مديرته الجديدة ياسمين شريف. فسرعان ما جمع الصندوق أول 120 مليون دولار لتعزيز التعليم الجيد لصالح 3.2 ملايين طفل نازح، وبالتالي دعم 17 ألف معلم، مع استثمارات في سوريا وحولها، فضلا عن تشاد وإثيوبيا واليمن.

ومن خلال العمل مع شبكة من الشركاء تركز على مساعدة اللاجئين السوريين، يعالج الصندوق التحديات البنيوية، مثل مكافأة المعلمين وعمليات توثيق الشهادات، في حين يساعد في وضع منهج جديد يستند إلى التعايش. وبالتعاون مع وزارة التعليم والتعليم العالي في لبنان -الهيئة التي ترزح تحت ضغوط شديدة بفعل تدفق نصف مليون طفل سوري لاجئ– يساعد الصندوق أيضا في تحقيق هدف تقديم التعليم العالي الجودة لكل الأطفال والشباب في سن 3 إلى 18 عاما.

وتمثل هذه المبادرات المبدعة تقدما كبيرا. ولكن تلبية احتياجات الأطفال الذين تركوا في الخلف سوف تتطلب أموالا أكبر كثيرا من الأموال المتاحة حتى الآن تحت تصرف "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر".

في حين تدور عجلة الأخبار وتتحول التغطية إلى أحداث أكثر إثارة، تتضاءل احتمالات عودة 75 مليون طفل وشاب في مختلف أنحاء العالم توقف تعليمهم بفعل النزوح القسري إلى المدارس

مجرد وعود
في سوريا، تسببت حرب أهلية مدمرة ومطولة في جعل أكثر من سبعة ملايين طفل في احتياج إلى مساعدات إنسانية، ونحو 2.5 مليون طفل بلا مسكن. وفي فبراير/شباط 2016، اجتذب مؤتمر دعم سوريا والمنطقة في لندن 1.4 مليار دولار في هيئة تعهدات لصالح التعليم، ولكن جزءا ضئيلا فقط من هذه الأموال وصل حتى الآن إلى الخطوط الأمامية.

والأطفال اللاجئون السوريون في لبنان هم الأكثر تضررا من هذا الفشل. من المؤكد أن مبادرة مبدعة لضمان حصول هؤلاء الأطفال على التعليم -برنامج مدرسي بنظام الفترتين يستخدم نفس الفصول المدرسية التي يستخدمها الأطفال اللبنانيون- تجعل من الممكن تسليم التعليم بتكلفة نحو ستمئة دولار فقط لكل تلميذ. ويتخلص الهدف في تزويد 540 ألف طفل سوري ولبناني عُرضة للخطر في سن 3 إلى 18 عاما بشكل ما من أشكال التعليم هذا العام، مع استفادة 220 ألف طفل من نظام الفترتين.

غير أن المانحين لم يسهموا حتى الآن بأكثر من مئتي مليون دولار أي أقل بنحو مئة مليون من المطلوب. ونتيجة لهذا، ربما يصبح مئات الآلاف من الأطفال الضعفاء عاجزين عن الوصول إلى التعليم. وبالفعل، أصبح لبنان مضطرا إلى إجراء تخفيضات مؤلمة والتخلي عن مكتسبات ثمينة. كما يواجه الأردن وتركيا -اللذان تبنيا أيضا نموذج الفترتين- معضلات مماثلة.

على نحو مماثل، يواجه القسم الأكبر من خمسمئة ألف طفل من جنوب السودان تدفقوا عبر الحدود إلى أوغندا العجز عن الحصول على التعليم على الرغم من خطة الحكومة الأوغندية السخية لتزويدهم بأماكن في المدارس، وذلك بسبب نقص التمويل. ثم إن هناك الآلاف من الأطفال المحاصرين في الموصل في العراق، والذين يتعرضون للقصف في صنعاء في اليمن، والذين يضطرون إلى الفرار من ولاية أراكان (راخين) في ميانمار إلى بنغلاديش. وهكذا تستمر دورة نقص التمويل واليأس.

بيد أن المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من الدراسة. فعلى الرغم من المبادرات الرئيسية، مثل برنامج التعليم في الاستجابة للطوارئ، والذي يهدف إلى الربط بين الشباب ودورات التعليم العالي، يظل الآلاف من الشباب المؤهلين غير قادرين على تأمين أماكن في المعاهد والجامعات. وهذا لا يقوض مستقبلهم فحسب، بل يعوق أيضا قدرتهم على استخدام مهاراتهم للمساعدة في إعادة بناء بلدانهم.

إن حياة الناس لا تتحطم بفعل الأمواج التي تغمر سترات النجاة أو القوافل التي لا تتمكن من الوصول إلى المدن المحاصرة فحسب، بل تتحطم أيضا بسبب غياب الأمل، واليقين الساحق للروح بعدم وجود أي شيء يمكن التخطيط له أو التحضير له في المستقبل، ولا حتى مكان في مدرسة.

يفتقر الأطفال اللاجئون في العالم عادة إلى جوازات السفر لتمكينهم من عبور الحدود بقدر أكبر من الحرية. ولكن جواز سفرهم الحقيقي إلى المستقبل يختم في المدرسة، وليس عند معبر حدودي. وربما يمكننا إعادة تشييد البنية الأساسية، ولكن الأطفال لن يتمكنوا أبدا من استعادة سنوات التعليم التي فاتتهم.

يتعين علينا أن نتحرك الآن لضمان حصول هذا الجيل الشاب من اللاجئين على التعليم وحمايتهم من الضياع. وحينئذ فقط يصبح بوسعنا أن نوفر الأساس لإعادة البناء الحقيقية وإطلاق العنان للأمل الذي يستحقه كل الأطفال.
—————–

*رئيس وزراء المملكة المتحدة ووزير خزانتها سابقا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص لشؤون التعليم العالمي، رئيس اللجنة الدولية لتمويل فرص التعليم العالمي، رئيس المجلس الاستشاري لمؤسسة كاتاليست.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

حول هذه القصة

أنتجت يونيسيف فيلما وثائقيا عن أوضاع الأطفال اللاجئين السوريين في لبنان، وقالت إنهم يكابدون من أجل الحصول على التعليم، وإن كثيرين منهم يجبرون على ترك الدراسة والعمل أو الزواج المبكر.

كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة أصبح من الصعب إعادتهم إلى الفصول الدراسية وإلى المسار الصحيح لإكمال دراستهم.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة