من أجل الارتقاء ببرامج اللاجئين

سيد منير خسرو*

يجبر ما يقرب من 34 ألف شخص على الفرار يوميا من الكوارث الطبيعية أو تلك التي يتسبب فيها البشر، ففي الأشهر الستة الأخيرة وحدها توفي أكثر من ألفي شخص غرقا في البحر الأبيض المتوسط، وفي بداية الشهر الجاري وصل 12 ألفا وستمئة مهاجر إلى إيطاليا عن طريق البحر، مما يتسبب في ضغوط مالية وسياسية على بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا التي تتضرر من هذه الموجة البشرية، خصوصا أمام غياب أي مساعدة في الأفق.

وقد كشف حجم الهجرة القسرية عن عيوب مقلقة في المنظمات التي من المفروض أنها آخر أداة لحماية المهاجرين، وأدى ضعف التفويضات وقلة التمويل ورداءة الهياكل المنظمة وغياب نظام حكامة عالمي إلى إضعاف قدرة الوكالات الحكومية على التواصل والتصرف بفاعلية لحماية الفئات الأكثر تضررا.

وتبحث بعض الوكالات غير الحكومية والمتعددة الأطراف في الوقت الراهن عن عناصر التحدي، وتشمل هذه المنظمات مجموعات مستقلة مثل منظمة اللاجئين الدولية (IR) ومنظمة أطباء بلا حدود (MSF).

وتلعب منظمة التجارة العالمية (WTO) دورا مهما في إدارة الهجرة الاقتصادية، ولكن على مستوى العلاقات بين الحكومات فإن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة تتعرضان لأشد الضغوط.

فبالنسبة إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فإن التحديات نظامية بالأساس، إذ تفتقر إلى سلطة تنفيذية واسعة في ما يخص الجمعيات المبتدئة، وبذلك تجد نفسها مجبرة على الاعتماد على التعاون مع الحكومات رغم أن هذا التعاون غير مضمون بشكل دائم في مناطق الصراع، وقد يتحتم استقدامه من الدول المجاورة، فالبلدان التي صادقت على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 لم تتقيد بها على الإطلاق، مما يحد من قدرة المفوضية على العمل، وتفشل تدخلات المفوضية عندما تكون البلدان غير متعاونة كما رأينا مع الهجرات من هايتي وكوبا إلى الولايات المتحدة في العقود الأخيرة.

وتعاني المفوضية أيضا من عيوب داخلية، حيث إن اتصالها باللاجئين على أرض الواقع متناقض للغاية، ففي حين أن زيادة عدد موظفي الحماية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من شأنها المساعدة على إيجاد حلول فإنه لا بد أن تعي الوكالة كل الحقائق، فعلى سبيل المثال عندما تتحرك البلدان المضيفة لإعادة توطين اللاجئين قسرا وبدون إبلاغ المفوضية فإن الوكالة نفسها تبدو غير موثوق فيها إن لم نقل غير مؤهلة.

إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين -بصيغتها الحالية- ليست مستقلة، فهي تعتمد اعتمادا كليا على المانحين والحكومات المضيفة لإطلاق عمليات الإغاثة، وهذا أمر يخدم مصالح هذه الحكومات، ولا تتمتع المفوضية دائما بالدعم السياسي الذي تحتاجه لإنجاز مهامها.

أما المنظمة الدولية للهجرة -وهي الوكالة المتعددة الأطراف- فتساعد على عودة المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين والنازحين داخليا إلى مواطنهم الأصلية أو إلى بلدان أو مناطق أخرى وافقت على استضافتهم، في حين أن منظمة مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين تعاني من سوء الحكامة في ما يخص شؤون الهجرة.

وتفتقر هذه المنظمة إلى آلية لتقييم ما إذا كانت الحكومات الوطنية تستخدم الإكراه المحظور بموجب القانون الدولي لإعادة اللاجئين أو نقلهم إلى أوطانهم، إضافة إلى افتقارها للقدرة على تقييم سلامة المناطق التي يعود إليها اللاجئون.

ويستفيد الملايين من الناس من البرامج والمشاريع التي ترعاها المنظمة الدولية للهجرة، ولكن قبل انضمامها إلى الأمم المتحدة كـ"منظمة ذات صلة" في سبتمبر/أيلول 2016 لم يكن لدى هذه المنظمة أي تفويض رسمي لحماية حقوق المهاجرين.

وحتى لو كانت المنظمة الدولية للهجرة كيانا تابعا للأمم المتحدة فإنها تعاني من عدم تطابق مهمتها الضخمة مع ميزانيتها الضئيلة وموظفيها القليلين، ولكون المنظمة تعتمد أساسا على المشاريع، حيث تقوم الدول الأعضاء بتمويل أنشطة محددة، فإن دورها في التخفيف من أزمات اللاجئين يعتمد إلى حد كبير على خيارات الأفراد وأولوياتهم.

ويجب على هاتين المنظمتين -بصفتهما من الأوصياء الرئيسيين على اللاجئين في العالم- أن تتكيفا مع تحديات اليوم، ومن الضروري وضع سياسات استباقية بشأن التنسيق بين الوكالات وتقاسم الأعباء المالية، وينبغي أيضا تحديث عناصر اتفاقية اللاجئين، مثل اللغة المتعلقة بسياسات اللجوء لتعكس الحقائق الراهنة.

وتحتاج الوكالتان إلى وضع سياسات شاملة ومنسجمة من أجل الدفاع عن اللاجئين وحمايتهم، ولتحقيق هذه الغاية على الدول الأعضاء في المنظمتين أن تدعم استمرار اندماجها داخل هيكل الأمم المتحدة، وهو ما من شأنه أن يعطيها المزيد من الأدوات للتأثير في أسباب النزوح القسري وليس فقط في آثاره.

هذه ليست سوى بعض أدوات الارتقاء بالحكامة التي أقترحها، ويمكن لكل من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة الاستفادة من دعم أقوى يمكن لمجموعة العشرين أن تقدمه، وإن لم نستطع أن ننهي الحرب أو المجاعة أو الفساد أو الفقر فإن الحل الأفضل هو النهوض بالمنظمات التي تساعد أولئك الذين يفرون من هذه الكوارث.
—————————–
*رئيس معهد السياسات والترافع والحكامة (IPAG).

المصدر : بروجيكت سينديكيت

حول هذه القصة

ما الذي ينبغي علينا القيام به نحو الملايين من اللاجئين الفارين من الحرب والاضطهاد في جميع أنحاء العالم؟ ذلك ما يقدمه هذا المقال لوزير خارجية بنغلاديش السابق الدكتور شهيد الحق.

5/2/2017

يكشف المقال أن التكاليف المرتبطة بتدفق اللاجئين وطالبي اللجوء ببعض الدول الأوروبية تعتبر جزءا من مساعدات التنمية الرسمية للبلدان الفقيرة، مبرزا ما يعنيه ذلك من ظلم.

28/2/2017

يغوص الكاتب في هذا المقال في البحث في أسباب الخوف من الآخر، وفي الأساليب -بما فيها النفسي- التي يستخدمها بعض القادة لحمل مواطنيهم على الاقتناع بفكرة معينة.

3/3/2017

يجب أن تتكيف سياسات التنمية مع الواقع الاقتصادي، وبدلا من تسليم الأموال إلى الدول كما فعل العالم على مدى السنوات الستين الماضية، يجب استخدام أموال التنمية لحشد القطاع الخاص.

18/6/2017
المزيد من حريات
الأكثر قراءة