وزير العدل أيام مرسي: القضاء أصبح أداة انتقام

المستشار أحمد سليمان: منظومة العدالة بمصر اختلت اختلالا رهيبا بعد الانقلاب (الجزيرة)
المستشار أحمد سليمان: منظومة العدالة بمصر اختلت اختلالا رهيبا بعد الانقلاب (الجزيرة)

حاوره: عبد الرحمن محمد

قال المستشار أحمد سليمان وزير العدل المصري الأسبق في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي إن منظومة العدالة اختلت اختلالا رهيبا بعد الانقلاب العسكري، وبات القضاء أداة انتقام بيد السلطة التنفيذية في البلاد.

ورأى في حوار مع الجزيرة نت أن الإصرار على إقصائه وغيره من منظومة القضاء يدل على أن الانقلاب بات مذعورا من كل شخص قادر على قول كلمة الحق، مشيرا إلى أن النظام الحالي يزعجه أن تصدر كلمة الحق من قضاة لما لكلمتهم من أثر في الداخل والخارج.

كما اعتبر الوزير السابق -الذي أيدت محكمة النقض مؤخرا قرار رفض عودته للقضاء- أن القضاة في ظل حكم مرسي تمتعوا بحرية التعبير عن آرائهم دون خوف أو وجل، بعكس ما هو حاصل بعد الانقلاب.

وفيما يلي نص الحوار.

  بداية.. كيف ترى تأييد محكمة النقض قرار رفض عودتك للقضاء؟

- أراه حكما مسيسا بامتياز، فقد تجاهلت المحكمة العديد من الأدلة الصارخة. القرار لم يستهدف الصالح العام، وصدر بناء على بواعث شخصية محضة، من ذلك الموافقة على عودة المستشار حسن النجار محافظ الشرقية السابق في حين تم رفض عودتي بعدها بأسبوع من ذات تشكيل المحكمة رغم انطباق كافة الشروط علي.

ومما يدل على البواعث الشخصية والحرص الشديد على إبعادي أنه في ذات الجلسة التي نظر فيها طلبي وبعدما تأكد من انتفاء كافة الموانع التي تمنع عودتي وانطباق كافة الشروط علي، وُضعت قاعدة تقضي بعدم جواز إعادة تعيين من عمل وزيرا أو محافظا، ثم طبقت عليّ بأثر رجعي في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ القانون.

طعنت على القرار، وطلبت من المحكمة التصريح باستخراج صور من محاضر الجلسات التي نظر فيها طلب المستشار حسن النجار وطلبي وتظلمي، لكن رفض تنفيذ طلبي، من كل هذا يتضح أن المحكمة لم تكن مقيدة بوقائع وأدلة وقانون، وإنما كانت عقيدتها رفض الطعن.

 لماذا الإصرار على إقصائكم بهذه الصورة ومحاولة تجريدكم من كل ما يمت للقضاء بصلة؟

- الانقلاب مذعور من كل شخص قادر على قول كلمة الحق، ولاشك أنه يزعجهم جدا أن تصدر كلمة الحق من قضاة لِمَا لكلمتهم من أثر في الداخل والخارج، ولذلك كان الحرص الشديد على التخلص من هؤلاء القضاة مهما كانت تفاهة الأسباب التي يستندون إليها ولو وصل الأمر إلى إهدار أحكام القانون، والسبب في ذلك موالاة النظام الذي لا يطيق سماع كلمة الحق، وقد رأينا مدى انفعال السيسي ورفضه استفهام أحد مناصريه عن بقائه بالقاهرة بينما الإسكندرية تغرق في ذات الوقت.

 ما هو تقييمك لما وصلت إليه منظومة العدالة وحقوق الإنسان في ظل السلطة الحالية؟

- لقد اختلت منظومة العدالة بمصر بعد الانقلاب اختلالا رهيبا، وأصبح القضاة أداة انتقام بيد سلطة الانقلاب، فتم تشكيل محاكم من قضاة مختارين للفصل في قضايا الإرهاب الكثير منهم صفحته وذمته ملوثة بقضايا تم إغلاق ملفاتها قبيل تشكيل هذه الدوائر.

ومن ثم جاءت أحكامهم تصب في مصلحة الانقلاب، فصادروا حقوق دفاع المتهمين، وتغاضوا عن التحقق من تعرض المتهمين للتعذيب، وأهدروا أحكام القانون عمدا، وحكموا بإدانة المتهمين استنادا لمحاضر التحريات وحدها رغم ما هو مستقر من عدم صحة ذلك، إضافة إلى حبس متهمين في غير جريمة والتجديد لمتغيبين خلافا للقانون.

وقد امتد هذا الخلل للكثير من المحاكم الأخرى، فنرى محكمة الأحوال الشخصية تقضي بإسقاط الحضانة عن أم لأن لها صورة وهي ترفع شعار رابعة، ومن ذلك فصل محكمة القضاء المستعجل في قضايا لا تدخل في اختصاصها، كالحكم باعتبار حماس والإخوان المسلمين جماعات إرهابية.

 إذا أردنا المقارنة بين حال القضاء في عهد مرسي وبعده، فماذا تقول؟

- لا شك أن القضاة في ظل حكم الرئيس محمد مرسي تمتعوا بحرية التعبير عن آرائهم دون خوف أو وجل، شأنهم في ذلك شأن الشعب المصري كله، فكانوا يبدون ما يعن لهم من آراء وهم مطمئنون آمنون من الحساب، فلم يحاسب قاض على رأي أبداه. بعكس الحاصل بعد الانقلاب، حيث عزل قضاة لمجرد إبدائهم الرأي في قضايا أمتهم، وعزل قاض لرفضه حبس متهمين لا دليل يجيز حبسهم، كما أحيل قاضيان لمجلس التأديب لاشتراكهما في إعداد مشروع قانون عن مناهضة التعذيب.

كما أن الأحكام التي تصدر حاليا غالبيتها تقطع بحصول توجيه بشأنها أو رغبة في الاستجابة لطلبات الانقلاب، وهو أمر لم يقع في عهد الرئيس مرسي.

 لماذا ترفضون مشروع قانون السلطة القضائية؟

- مشروع القانون مرفوض لأسباب، منها أنه يجعل اختيار رئيس كل هيئة بيد السيسي، مما يخشى معه تَكَوُّن رغبة بمسايرته وعدم الاعتراض عليه، وهذا الأمر يشكل تدخلا من السلطة التنفيذية في شؤون القضاة مما ينال من استقلالهم.

كما أنه مخالف لأكثر من مادة بالدستور نصت على أن التدخل في شؤون العدالة جريمة لا تسقط بالتقادم، وعلى أن كل هيئة أو جهة قضائية تقوم على شؤونها، كما نصت على أن مجلس القضاء الأعلى يختص بالنظر في كل ما يتعلق بتعيين وترقية وندب ونقل وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة.

فهذا المشروع إذن يمكن السيسي من تعيين الأكثر ولاء له، والقضاة ليسوا عاجزين عن اختيار رئيس مجلسهم.

 ما تعليقك على مسارعة البرلمان بالموافقة المبدئية عليه؟

- لا تفسير لذلك سوى تلقيه تعليمات بإنجاز المشروع، مع ملاحظة أن اللجنة التشريعية كانت قد أعلنت تأجيل النظر في المشروع للمواءمة السياسية، وخلال ساعات كانت قد وافقت على القانون وتم التصويت عليه في الجلسة العامة.

 لماذا تعلنون رفضكم لمشروع السلطة القضائية رغم استبعادكم من المنظومة؟

- لأن القضاء ملك للأمة، ويجب على الجميع الحرص عليه والدفاع عن استقلاله، وفي استقلاله ضمان للجميع، وحماية للمجتمع من تفشي الفساد والانحراف.

 ما الفروق الأساسية بين مشروع السلطة القضائية المعد بعهد مرسي والمشروع الحالي؟

- المشروع الذي تمت الموافقة عليه من البرلمان لم يسبق عرض نظير له أيام الرئيس مرسي، لأنه لم يكن يسعى للسيطرة على القضاء وإخضاعه له كما يفعل السيسي.

المشروع الذي قدم أيام مرسي كان متعلقا بخفض سن القضاة إلى الستين، واختيار مجلس القضاء الأعلى للنائب العام، وتوحيد مستحقات السلطة القضائية طبقا لجدول مرتبات المحكمة الدستورية، وزيادة رواتب الدرجات التي ليس لها نظير بالمحكمة الدستورية بواقع 20%.

 لماذا تباين رد فعل القضاة تجاه المشروعين؟

-لسببين، أولهما الحرية التي عاشتها مصر أيام مرسي، حيث كان يتيح للجميع أن يبدي من الآراء ما شاء وهو مطمئن، ما شجع القضاة على اتخاذ ما يعن لهم من مواقف، أما الآن فالبطش ومصادرة الحريات تدفع الجميع للحذر. وثاني الأسباب تحريض أحمد الزند للقضاة على المغالاة في المواقف، مستغلا الحماية التي كان يتمتع بها ورفاقه، حتى إنه لم يحقق مع أي منهم في أي من البلاغات التي قدمت ضدهم رغم أنها تشكل جرائم ثابتة بالصوت والصورة.

 البعض يرى أنكم وآخرين من القضاة المعزولين أظهرتم مواقف سياسية تبرر ما اتخذ من إجراءات بحقكم.. ما رأيك؟

- هذا البعض يدرك جيدا أن ذلك محض افتراء، فالدستور نص على حق كل مواطن في إبداء رأيه، والقضاة مواطنون يتمتعون بما يتمتع به غيرهم، والمقصود من حظر قانون السلطة القضائية على القضاة الاشتغال بالسياسة هو الانضمام للأحزاب وتبني برامجها، ولا يدخل في ذلك إبداء آراء سياسية. 

محاكمتنا انتفت فيها كل ضمانات العدالة، وعصف مجلس التأديب بحقوق الدفاع، وقضى في دعويي قضاة البيان وقضاة من أجل مصر رغم عدم اتصاله بالدعويين اتصالا صحيحا، وقد بلغ التعسف معهم مداه فقضى المجلس بإحالتهم للمعاش، كما أني أوضحت ما تعرضت له دون سند من القانون.

أين تلك المواقف السياسية التي اتخذناها مما فعله الزند ورفاقه بفتح نادي القضاة لحركة تمرد لجمع التوقيعات في مقره؟ وتحويل الجمعيات العمومية للقضاة إلى مؤتمرات سياسية؟ ومناشدة أوباما التدخل في الشأن المصري؟

 هل ترى أن القضاة ممن لا يزالون يمارسون عملهم مشاركون في دعم السلطة التنفيذية؟

- لاشك في وجود الكثير من القضاة الشرفاء ممن يعملون بدوائر جنائية بعيدا عن دوائر "الإرهاب" وفي مختلف الدوائر المدنية والعمالية والضرائب والأحوال الشخصية وغيرها، وهم يرفضون التغول على السلطة القضائية، ولاشك أن التذمر الحالي من قانون السلطة القضائية المقدم دليل على ذلك.

 

المصدر : الجزيرة