مسؤول أفريقي: الجنائية الدولية تغفل فلسطين والعراق

حماد أكد أن هناك تمييزا واضحا في سلوك المحكمة الجنائية الدولية (الجزيرة نت)
حماد أكد أن هناك تمييزا واضحا في سلوك المحكمة الجنائية الدولية (الجزيرة نت)

محمد غلام-أديس أبابا

انتقد مسؤول أفريقي تركيز المحكمة الجنائية الدولية على القضايا الأفريقية وإهمالها للجرائم في القارات الأخرى، مشيرا إلى أنها ذات معايير مزدوجة.

وقال أمين أمانة الديمقراطية والحكم الرشيد في الاتحاد الأفريقي صلاح حماد إن تلك المحكمة وضعت أفريقيا في بؤرة اهتمامها وأغفلت دولا وقضايا أخرى كالقضية الفلسطينية وغزو العراق وأفغانستان ومجازر إقليم أراكان في بورما (ميانمار).

وكشف المسؤول الأفريقي عن أن هناك "انتهاكات مثبتة" ضد مصر قد يحال مقترفوها للعدالة، وأن السودان يواجه اتهامات حقوقية "في بعض مناطقه". وتاليا نص الحوار:

 نبدأ بموضوع "الجنائية الدولية" ما هو مستوى التعامل مع هذه المحكمة وما موقفكم منها؟

ثمة إشكاليات بين الاتحاد الأفريقي كمنظمة قارية وهذه المحكمة في أسلوب تناولها للقضايا الأفريقية. وقبل أن أعرض رأي الاتحاد الأفريقي بشأن هذه المحكمة، أود القول إن الدول الأفريقية تمثل أكبر تجمع للدول الموقعة أو المصدقة على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية، على مستوى القارات، وبالرغم من ذلك لاحظنا من خلال نشاطات المدعي العام السابق (لويس مورينو أوكامبو) والمدعية العامة الحالية (فاتو بنسودا) أن الجنائية الدولية وضعت أفريقيا في بؤرة اهتمامها وأغفلت دولا وقضايا أخرى في قارات أخرى.

 مثل ماذا؟

 القضية الفلسطينية تحتاج إلى تحقيق من الجنائية الدولية، غزو العراق من القوات الأميركية يحتاج إلى تحقيق، غزو أفغانستان يحتاج إلى تحقيق، المجازر التي تحدث الآن في أراكان في ميانمار تحتاج إلى تحقيق، بعض المجازر التي حدثت في أوقات أخرى تحتاج لتحقيق.. السؤال لماذا القارة الأفريقية؟

 ولماذا القارة الأفريقية.. هل لأنكم الأضعف؟

ربما لأننا الأضعف.. لذلك وجدونا هدفا سهلا ركزوا عليه ليقولوا للغرب إنهم نشطون وفاعلون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.. بيد أننا نرى أن هناك تمييزا واضحا، قد لا يكون عنصريا ولكنه مبني على أشياء من ضمنها ضعف القارة وضعف صوتها في المجالات الدولية.. لكن الاتحاد الأفريقي اليوم قرر أن يتصدى لهذا الهجوم.

 هل تحرضون الدول الأعضاء الآن على الانسحاب من ميثاق روما؟

هنالك مقترح اتفقت عليه القمة الأخيرة -والتي قبلها- أن يتم انسحاب جماعي من ميثاق روما، لكن القرار نفسه جعل لكل دولة أن تتخذ هذا القرار بمفردها. وهناك بعض الدول قدمت طلبا رسميا لسحب عضويتها، وهنالك دول سحبت عضويتها كـ بوروندي. هنالك دول مثل جنوب أفريقيا وغامبيا ما زالت في هذا المسار تنشط لسحب عضويتها. كاتحاد أفريقي، نحن على تواصل مع الجنائية الدولية، نريد أن نقنعهم بوجهة نظرنا بأننا مظلومون ونريدهم أن يتفهموا موقفنا لنستطيع التعاون معهم في المستقبل.

 جيد، لكن هناك انتهاكات كبرى بالقارة تقتضي المساءلة. هل من بديل لهذه المحكمة؟

البديل موجود، هو المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.. هذه المحكمة موجودة في أروشا بـ تنزانيا، وقد توسع الآن بحكم الاتفاق الجديد في قمة ملابو نطاق عملها ليشمل قضايا حقوق إنسان ذات أبعاد كبيرة مثل المجازر الجماعية، وقضايا ضحايا الحروب، وأشياء أخرى كثيرة.

 لكن هل لديها القدرة على جلب منتهكي حقوق الإنسان إلى العدالة؟

إذا تم دعمها من الدول الأفريقية، وإذا تم دعمها من المحاكم الدولية يمكن لهذه المحكمة أن تقوم بجلب المجرمين إلى العدالة.

 حتى لو كان من بينهم رؤساء دول؟

حتى لو كان بينهم رؤساء دول، لأن الرؤساء أنفسهم في وعودهم ومن خلال توقيعهم على ميثاق الاتحاد الأفريقي التزموا بمحاربة الانتهاكات في أفريقيا. هنالك التزام مبدئي من رؤساء الدول وهم أولى أن يلتزموا به من غيرهم، لكن المشكلة الآن هي حقيقة انتهاك حقوق الرؤساء الأفارقة من قبل المحكمة الجنائية الدولية وعدم تعاملها بالمثل مع رؤساء آخرين، فعندما أتى اسم بنيامين نتنياهو مثلا في أوراق تقدم بها محامون في المحكمة ماذا حدث؟ هددت الولايات المتحدة بسحب دعمها مع أنها لم توقع حتى الآن حتى تصادق على هذه المحكمة. هنالك أشياء يجب أن ينظر إليها من أبعاد مختلفة، ونحن نرى أن القارة الأفريقية مظلومة ويجب أن تدافع عن نفسها.

 لكنكم إذا كنتم تتهمون العالم بازدواجية المعايير في التعامل مع قضاياكم، فأنتم متهمون بالشيء نفسه، صارمون مع رؤساء ضعاف مثل حسين هبري، ومتهاونون مع آخرين ما زالوا بمواقعهم الرسمية ارتكبوا مجازر في رابعة العدوية والنهضة ويعتقلون الآن حوالي ستين ألف شخص.. ولم نسمع لكم صوتا يُذكر.

أختلف معك في الرأي. الاتحاد الأفريقي كمنظمة قارية يتعامل مع كل الدول الأعضاء بنفس المعايير، ومصر هي من الدول الكبرى التي تدعم الاتحاد الأفريقي وهي من الدول المؤسِسة له، لكن هذا لم يمنع من أن نفرض عليها حظرا عندما حصل الانقلاب العسكري. وحتى الآن هنالك أجهزة من الاتحاد تحقق في القضايا التي ذكرتها، من ضمن هذه الأجهزة مفوضية حقوق الإنسان والشعوب، وإذا زرت موقعها الإلكتروني هناك عدد من التقارير عن تحقيقاتها في قضايا رفعت إليها من مواطنين مصريين. هذا دليل أننا نتعامل مع جميع الدول الأعضاء بالتساوي.

 فلماذا لا تطالبون بتحريك دعاوى ضد من اقترف هذه الجرائم؟

الاتحاد الأفريقي لا يحرك دعاوى، الدعاوى تحرك من قبل المواطنين والمجتمع المدني ومن المحامين المحليين.

 إذن أنتم تضعون المسؤولية على عاتق المجتمع المدني والمواطنين في هذه الجرائم الخطيرة؟

المسؤولية جماعية ومتكاملة، عندما يبدأ المواطنون بتقديم الدعاوى ينتهي دورهم هنا ويبدأ دور الاتحاد الأفريقي من خلال مؤسساته، من خلال التحقيق، وفي النهاية إصدار القرار. إذن المسؤولية متكاملة.

 إذن من الممكن أن تتطور هذه الدعاوى وتقود إلى جلب هؤلاء المجرمين إلى العدالة؟

بالتأكيد.. بالتأكيد.. لا يمكن لأي شخص ارتكب جريمة مثل الجرائم التي ذكرتها أن يتستر عليه الاتحاد الأفريقي. أعطيك مثالا آخر: الجرائم التي حدثت في بوروندي وصلتنا فيها كثير من الدعاوى من مواطنين ومن المجتمع المدني. وهنا بدأت مفوضية حقوق الإنسان والشعوب، وتأكدت من بعض هذه الجرائم التي هي الآن بصدد أن ترفع رسميا إلى محكمة العدل الأفريقية (محكمة حقوق الإنسان والشعوب) في أروشا، لكن حتى ترفع هذه القضايا لم يقف الاتحاد الأفريقي مكتوف الأيدي بعد أن تحقق من وجود هذه الجرائم، حيث رفعت القضايا إلى مجلس الأمن والسلم الأفريقي الذي أصدر قرارا بفرض حصار على دولة بوروندي، حصار ليس من أميركا ولا فرنسا لكن من الدول الأفريقية. والآن هذه القضايا في طريقها إلى محكمة حقوق الإنسان والشعوب ذات القرارات الملزمة.

 لكن أليس هذا بسبب سياسي، أي بسبب تمديد الرئيس ولايته في مخالفة للدستور ثم بسبب الاضطرابات نفسها.. ألم تتحركوا في بوروندي من هذه الزاوية؟

نحن لم نتحرك ضد مخالفة الدستور ولم نتحرك لما حدث في بوروندي من قرارات سياسية. تحركنا نتيجة القضايا والدعاوى التي وصلت وفيها كثير من المعلومات عن القتل والنهب والسلب لمواطني بوروندي. تحرُكنا لم يكن ضد الرئيس في شخصه لأنه انقلب على الدستور، ولكن بسبب الدعاوى التي وصلت وفيها تأكيدات ودلائل قاطعة على أنه تم ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان في بوروندي. هذا هو السبب الرئيس لتحركنا.

 كأنكم الآن تُحمّلون المسؤولية عن عدم الحركة للمجتمع المدني المصري أو غيره من الدول التي وقعت فيها انتهاكات. في بوروندي تحركوا وجنوا ثمار حركتهم، وفي مصر ومواقع أخرى لم يقوموا بما كان يجب عليهم القيام به؟

هنالك طرق مختلفة في التعامل مع القضايا لضمان سير العدالة. في بوروندي تحرك المجتمع المدني وتحرك المواطن، وبالتالي تمت الاستجابة لذلك من قبل الاتحاد الأفريقي، وحتى قواتنا موجودة الآن في بوروندي لحماية المواطنين. هناك خمسون مراقبا لحقوق الإنسان كنتاج لهذا التحرك.

لكن -مع ذلك- إذا لم يتحرك المواطن في مصر أو لم يتحرك بالصومال أو أفريقيا الوسطى فهذا لا يعني ضياع حقوق مواطني هذه الدول، حيث إن مفوضية حقوق الإنسان والشعوب تتحرك عند سماعها مثل هذه الانتهاكات، وعليها أن تبعث بلجنة لتقصي الحقائق، وقد ذهبت إلى مصر قبل شهور قليلة ثم عرضت تقريرها على مسمع العالم خلال القمة الماضية، ورغم اعتراض مصر على هذا التقرير فلم يغير ذلك أي شيء لأن هناك حقائق مثبتة. نحن نتعامل بالمثل مع كل الدول.

 حقائق الانتهاكات في مصر مثبتة؟

نعم مثبتة.. هنالك انتهاكات وهنالك سجون مكتظة بعدد كبير من الناس. الاتحاد الأفريقي طالب حكومة مصر رسميا بأن ترد على هذه الدعاوى. ولديها الفرصة في القمة القادمة أن تدافع عن نفسها. وجهت بعض اتهامات لدول أخرى مثل السودان في بعض مناطقه ودولة أفريقيا الوسطى في بعض مناطقها، والآن أتتنا قضايا من الكاميرون. نحن نتعامل مع كل الدول بنفس المستوى.

وحتى دولة المقر (إثيوبيا) وصلتنا بعض الأحداث عن طريق الإعلام فطلبنا من مفوضية حقوق الإنسان والشعوب أن تحقق فيها، والآن هناك تقرير سيسلم رسميا خلال القمة القادمة للحكومة الإثيوبية ليتاح لها فرصة الرد في القمة التي بعدها. نحن نهتم بالمواطن في كل دول القارة.

 إلى أين وصل إنشاء المحكمة الهجين لدولة جنوب السودان؟

القرار اتُّخذ واتفِق على هيكلية المحكمة.

 ما هي طبيعة هذه الهيكلة؟

الهيكلة أن المحكمة سيتم تكوينها من ثمانية قضاة، ستة منهم ينتخبون من دول مختلفة من القارة، وهناك احتمال أن يكون أحد القضاة من جنوب السودان ممثلا للمحكمة العليا، وهناك قاض آخر ينتخب من الجهة التي تقاتل الحكومة إذا أمكن، مقر المحكمة لم يتفق عليه حتى الآن، لكن الاتحاد الأفريقي اقترح أن تكون أروشا هي مقر المحكمة الهجين.. وإن شاء الله نحن بصدد توقيع مذكرة تفاهم نهائية حتى يمكن لهذه المحكمة أن تتناول كل القضايا، ونأمل أن توقع هذه المذكرة خلال القمة الأفريقية القادمة بأديس أبابا، على أن يبدأ عمل المحكمة في فبراير/شباط.

 إلى أين وصلت قضية الرئيس التشادي السابق حسين هبري؟

مقاضاة هبري من أنجح المحاكمات التي تمت. كان لا بد أن تصدر المحكمة قرارات على هبري ضد الجرائم التي ارتكبها واعترف بكثير منها.

 ما هي طبيعة المحكمة التي تحاكمه الآن؟

هي محكمة سنغالية شكلت من الاتحاد الأفريقي، بحكم أن هبري طلب اللجوء في السنغال. المحكمة كانت عادلة شارك فيها الاتحاد الأفريقي بفاعلية.

 المحكمة وطنية عادية أم أنها تشكيلة خاصة؟

هي تشكيلة خاصة، وكان المدعي العام فيها هو المستشار القانوني للاتحاد الأفريقي الذي وصلت إليه كثير من الأدلة والمستندات. وقد استطاعت المحكمة أن تؤدي عملها بشفافية وكانت مفتوحة للجميع. وأنا أعتقد أنها كانت مثالا يُحتذى به. وقد حكمت عليه في بعض القضايا بالسجن والغرامة، وهنالك قضايا أخرى سيحاكم فيها خلال الأسابيع القادمة.

لا أعتقد أنه سيكون لهبري العمر كل تلك السنين ليقضيها في السجن، ولكن المسألة أن يعتبر الرؤساء الذين هم على سدة الحكم ويتعظوا مما حدث لهبري، وأن يعلموا بأن هذا المصير ينتظر كل من يقترف جرما ضد مواطنيه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حقوق إنسان
الأكثر قراءة