الإخفاءات القسرية بالجزائر والموت 4 مرات

الأرقام متضاربة بشأن أعداد المختفين في الجزائر بين ثمانية آلاف و15 ألفا (الجزيرة نت)
الأرقام متضاربة بشأن أعداد المختفين في الجزائر بين ثمانية آلاف و15 ألفا (الجزيرة نت)

عبد الحميد بن محمد-الجزائر

تبدو قصة مراد بن لعجال (26 سنة يوم اختفائه) من أغرب قصص ضحايا الإخفاء القسري، بعدما اعتقل ثلاث مرات ومات أربع مرات!

اعتقل أول مرة في 1992 ثم في 1993، وفي المرتين أفرج عنه بعدما نال البراءة، قبل أن يعاد اعتقاله للمرة الثالثة في مايو/أيار 1994 "بينما كنا نستعد ليوم زفافه".

تقول شقيقته نادية بعد تنهد عميق إن رحلة البحث عن مراد بدأت في اليوم التالي "فلم تترك والدتي مركزا للشرطة أو الدرك في العاصمة إلا دخلته بحثا عنه، لكن دون جدوى".

تسرد نادية للجزيرة نت تفاصيل كثيرة ومتشعبة عن رحلة البحث عن مصير شقيقها طيلة 23 سنة من الاختفاء قضتها رفقة والدتها، حيث تمكنت في أربع مرات من الحصول على روايات متناقضة  بشأن مصير شقيقها مراد، كلها تؤكد مقتله في أماكن وتواريخ مختلفة!

نادية بن لعجال تصرّ على إكمال رحلة البحث التي بدأتها والدتها (الجزيرة)

قصة خيال
المرة الأولى حصلت في 24 مايو/أيار 1994، بعدما حاول الفرار من قبضة رجال الشرطة في حي القصبة بحسب رواية وكيل الجمهورية، "وسلموا لنا شهادة وفاته لكنهم لم يحددوا لنا مكان دفنه".

والمرة الثانية كانت في 2012. فبعد سنوات من البحث وجد قبر عليه اسمه في مقبرة العالية (شرقي العاصمة)، وبحسب ما كتب في سجلات المقبرة، فإن مراد قتلته جماعة إرهابية بحي القبة في أغسطس/آب 1994.

وتقول نادية إن الشخص الذي سجل وفاته أخبرها بعد ذلك أن شقيقها "قتل يوم 16 يونيو/حزيران 1994 (المرة الثالثة)، وكتب لي ذلك فوق شهادة وفاته الثانية".

وتضيف أنها تقدمت -بناء على وجود القبر المسجل باسمه- بطلب للقضاء من أجل إجراء تحليل الحمض النووي، غير أن وكيل الجمهورية رفض بحجة وجود أوامر عليا تمنع ذلك، "وطلب منا في المقابل استلام التعويض المالي، لكننا رفضنا وقلنا إن أخي ليس للبيع".

أما وفاته الرابعة فهي مقتله ضمن جماعة إرهابية في 2006، بحسب الرواية التي قدمها الدرك الوطني، "لكنهم رفضوا منحنا محضر الوفاة إلا إذا قبلنا استلام التعويضات المالية".

وتصر نادية على إكمال رحلة البحث عن مصير شقيقها بعدما تعبت والدتها وتقدم بها العمر.

مراد اعتقل ثلاث مرات وقتل أربع مرات! (الجزيرة)

أرقام متضاربة
وتمثل قصة مراد واحدة من مئات بل آلاف القصص الإنسانية لذوي المخفيين قسرا في الجزائر الذين تتضارب الأرقام بشأنهم، فالمصادر الحكومية تقول إن عددهم لا يتجاوز ثمانية آلاف بينما تقول المنظمات غير الحكومية إن العدد يصل إلى 15 ألفا.

وقد ظلت قضية الإخفاءات القسرية طي الكتمان إلى غاية 1998، حيث نظم الأهالي أول مظاهرة لهم بمناسبة زيارة وفد الأمم المتحدة الذي جاء إلى الجزائر للتقصي بشأن المجازر المروعة بحق المدنيين.

وفي 2005 قدم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ميثاق السلم والمصالحة الذي عرض على أهالي المختفين استلام تعويضات مالية وشهادة وفاة ذويهم.

وقد تسببت هذه الإجراءات في انقسام بين الأهالي، حيث قبل بعضهم الحل فيما أصر آخرون على مواصلة البحث إلى غاية معرفة مصير أبنائهم.

وتقول رئيسة "جمعية أس أو أس مفقودين" نصيرة ديتور إن على السلطات أن تفهم أنه لا يوجد أب ولا أم يمكن أن ينسى فلذة كبده، وتشدد على أن "عائلات المخفيين قسريا لن يقبلوا طي الصفحة ولن يصمتوا حتى يصلوا إلى الحقيقة، حتى لو أخذونا إلى السجن".

وتشدد نصيرة -التي اختفى ابنها وهو لم يتجاوز 21 من العمر- على أن الأسر ستواصل التظاهر كل يوم أربعاء، "فنحن لا نستطيع البقاء في البيت بعدما تغيرت حياتنا".

وعن الهدف من الاستمرار في التظاهر والاعتصام، يقول حسن فرحاتي ممثل عائلات المفقودين إنه من أجل التأكيد على أن "هناك 15 ألف جزائري اختطفتهم الشرطة في تسعينيات القرن الماضي"، و"إذا كانت الحكومة تقول إن ملف الإخفاءات القسرية طوي فنحن نقول إنه لم يطو بعد".

نصيرة ديتور: لا يوجد أب ولا أم يمكن أن ينسى فلذة كبده (الجزيرة)

مصارحة ومصالحة
ويطالب فرحاتي بما يسميه "المصارحة قبل المصالحة"، ويقول إن السبعة آلاف يورو التي تمنحها الحكومة كتعويض مالي لذوي المخفيين قسريا، "لن تعيد مفقودا ولا مخطوفا".

ويؤكد أن الكثير من الأمهات والآباء الذين تقدم بهم العمر ما زالوا يعيشون يوميا العذاب النفسي، "ووصيتهم لنا أن أكلموا النضال حتى معرفة مصير ذوينا".

ويحدو أسر المفقودين الأمل في وجود أبنائهم على قيد الحياة في سجون سرية، مثلما تطالب بضرورة القيام بتحاليل الحمض النووي لحوالي 3300 جثة تم دفنها بهويات مجهولة، حسبما أعلن عن ذلك في 2003 فاروق قسنطيني الرئيس السابق لما كان يسمى باللجنة الاستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان التابعة لرئاسة الجمهورية.

كما تنسق الأسر مع منظمات دولية غير حكومية كتأكيد منها على أن الملف لم يطو بعد، وتمكنت ممثلة العائلات نصيرة ديتور في سبتمبر/أيلول الماضي من تقديم عرض عن الملف أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف.

ويعتقد خالد بن لحرش المحامي عضو الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن ميثاق السلم والمصالحة "أراد طي ملف الإخفاء القسري وكرس مبدأ الإفلات من العقاب"، ويشير إلى أن لجوأهم للمنظمات الدولية والآليات الدولية لحقوق الإنسان جاء بسبب العجز محليا.

لكنه يعتقد أن هذا صعب لأن الجزائر لم تصادق على المعاهدة الدولية لحماية الأشخاص من الإخفاء القسري، وإنما وقعت عليها.

المصدر : الجزيرة