ضحايا "الخميس الأسود" يفضحون قمع بورقيبة

جانب من جلسة الاستماع العلنية لضحايا ما يعرف بالخميس الأسود (الجزيرة)
جانب من جلسة الاستماع العلنية لضحايا ما يعرف بالخميس الأسود (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

أماطت جلسة الاستماع التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة المشرفة على مسار العدالة الانتقالية في تونس؛ اللثام عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في حق النقابيين المنتمين إلى الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يرفض توجهاته السياسية والاقتصادية.

وتزامنت الجلسة مع الذكرى 39 لأحداث ما دُرج على تسميتها "الخميس الأسود"، التي وقعت في 26 يناير/كانون الثاني 1978، وخلفت عشرات القتلى وآلاف الجرحى، نتيجة إطلاق الرصاص على المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرات خلال إضراب عام دعا إليه اتحاد الشغل.

شهادات مؤلمة
ومن بين الضحايا الذين أدلوا بشهاداتهم النقابي السابق محمد شقرون (73 عاما) الذي لم يكن يدرك أن التحاقه بالعمل النقابي عام 1971، عندما كان يشتغل في معمل للمسابك بالعاصمة، سيكلفه باهظا.

يقول شقرون إن نشاطه مع اتحاد الشغل جعله يتعرض للاعتقال أمام زوجته وأطفاله بعد مداهمة منزله، ثم اقتياده إلى جهاز أمن الدولة، حيث التعذيب الوحشي.

ووسط ذهول الحاضرين الذين انفجر بعضهم في البكاء، غاص هذا النقابي الذي بقيت أحداث تلك الحقبة جاثمة على ذاكرته رغم كبر سنه، في تفاصيل تعذيبه لدى جهاز أمن الدولة بشتى أنواع التنكيل من تعليق بالسلاسل وضرب بالهراوات وصعق وطرق أخرى صادمة رفض البوح بها.

شقرون يدلي بشهادته أمام جلسة الاستماع (الجزيرة)

ورغم أنه استطاع أن يحبس دموعه من فرط أوجاع الماضي، معلنا بقلب رجل حليم أنه يسامح جلاديه، فإن نبرة صوته كانت توحي بأنه ما زال حبيس كوابيس التعذيب الذي كاد أن يضع حدا لحياته.

بدوره، تحدث المصور الفوتوغرافي السابق زهير بلخيرية (61 عاما) الذي كان يصور أنشطة النقابيين بالاتحاد الجهوي للشغل بمدينة سوسة عن حالة القمع والاستبداد التي كان يعيش تحتها التونسيون في فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

يقول بلخيرية إنه اعتقل عندما كان شابا يلتقط صور المظاهرات التي دعا إليها اتحاد الشغل خلال الإضراب العام، واصفا حالة الارتباك التي سقطت فيها البلاد والحصار الأمني والعسكري الذي طوق الشوارع ومقرات اتحاد الشغل.

وتبعا لذلك، تعرض هذا الرجل لشتى أنواع التعذيب والإهانة والتهديد بالقتل وتلفيق التهم الكيدية. ووصف بذاكرة تعج بالتفاصيل المروعة عمليات قتل المتظاهرين وتعذيب المعتقلين بأشكال بشعة، مثل قلع الأظافر بآلات حادة والضرب بالهراوات وسكب الماء البارد على أجسام المغمى عليهم.

ومع أن الاستماع إلى شهادات الضحايا تعيد الاعتبار لهم، فإنها تشكل مادة أساسية للمؤرخين لمعرفة مدى وحشية المعالجة الأمنية التي انتهجها نظام حكم بورقيبة، بحسب تعبير المؤرخ عبد اللطيف الحناشي الذي يرى أن "جزءا مهما من تفاصيل تلك الحقبة ما زال مجهولا ولا نعرفه".

الحناشي: تنصيب بورقيبة نفسه رئيسا مدى الحياة أحد أسباب الأزمة (الجزيرة)

أسباب الأزمة
وبشأن أبرز أسباب تلك الأزمة التي أدت إلى اندلاع تلك المواجهات الدموية، يقول عبد اللطيف الحناشي للجزيرة نت إن جذور الأزمة تعود إلى رفض اتحاد الشغل سياسة نظام بورقيبة ووزيره الأول الهادي نويرة للانفتاح الاقتصادي وتكريس الرأسمالية، "التي أدت إلى تعمق الفوارق الاجتماعية".

وأشار إلى أن الصراع بين اتحاد الشغل ونظام حكم بورقيبة تأجج خاصة مع انخراط الآلاف من المعلمين الابتدائيين والثانويين، وبروز نقابات للتعليم الابتدائي والثانوي والعالي -أغلبهم من اليسار- مما ضخ دماء جديدة في اتحاد الشغل الذي أصبح يطالب بالحرية والحقوق العمالية.

كما تعود أسباب الأزمة إلى فرض بورقيبة رئاسته مدى الحياة عام 1975، وبروز صراعات داخل أجنحة السلطة لخلافته، ودخول الحبيب عاشور أمين عام اتحاد الشغل بوصفه شخصية وطنية كطرف في ذلك الصراع؛ مما جعل علاقة اتحاد الشغل تتأزم مع بورقيبة، بحسب تصريح الحناشي.

ومن أهم الأحداث التي صعدت الصراع بين اتحاد الشغل والحزب الدستوري الحاكم تلقي الحبيب عاشور تهديدا بالاغتيال، وقمع بعض الإضرابات العمالية في مدينة قصر هلال (جنوب) ذات البعد الرمزي للبورقيبيين بوصفها كانت مساندة له.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من جرائم حرب
الأكثر قراءة