تشتت العائلات الفلسطينية يهدد مستقبل أطفالها

فلسطين/ قطاع غزة/ مدينة غزة/ حي الدرج/ سبتمبر 2016/ أبو القرايا يُقلب مجموعة من أوراق الرفض الإسرائيلي جمع شمل عائلته، وتقارير طبية لزوجته المريضة بالسرطان.
سلامة أبو القرايا يقلب مجموعة من أوراق الرفض الإسرائيلي لجمع شمل عائلته وتقارير طبية لزوجته المريضة بالسرطان (الجزيرة نت)

أيمن الجرجاوي-غزة

رغم مرور ثلاث سنوات على آخر لقاء بين الطفلة الفلسطينية نوارة أبو القرايا ووالدها "سلامة" فإن دموع الفراق مازالت حارة في مقلتيها، تذرفها كل حين، ولاسيما بعد مرض والدتها الخطير.

وتسارع نوارة (13 عاما) -التي تسكن مخيم الفارعة في نابلس شمال الضفة الغربية– بالاتصال بوالدها الموجود في قطاع غزة كلما تعذر على والدتها تلبية طلباتها، وتتوسل له بالرجوع لتحقق أمنياتها.

وتشعر الطفلة -التي افترقت عن والدها ولم تبلغ عشرة أعوام- بحرمان شديد، حتى إنها لم تذكر اجتماع العائلة على مائدة واحدة منذ ذلك الحين.

والد سلامة (57 عاما) عاد في مايو/أيار 2013 إلى قطاع غزة، بعد سماح الاحتلال الإسرائيلي له بذلك، بغرض زيارة زوجته الأولى وأبنائه الذين انقطع عنهم منذ مغادرته القطاع للعمل بالضفة عام 1999.

معاناة متفاقمة
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، منعت سلطات الاحتلال سلامة من العودة إلى غزة، فتزوج من أخرى بالضفة الغربية، وأنجب ثلاثة من الأبناء.

وبعد أن أنهى الوالد زيارة أسرته بغزة، رفض الاحتلال السماح له بالعودة إلى الضفة بذريعة أمنية، ويقول إنه قدّم أكثر من عشرين طلبا للعودة رُفضت جميعها.

وتعاني آلاف العائلات في غزة والضفة والقدس المحتلة من التشتت جراء منع الاحتلال لمّ شملها، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على أفرادها.

ويصف الفتى حسن (15 عاما) النجل الأكبر لسلامة غياب والده بـ"المعاناة الكبيرة" ويقول "هو من كان ينصحني ويحميني، ويحسن التصرف في المواقف".

ويقول حسن للجزيرة نت "يصعب كثيرا أن أتحدث مع والدي عبر الهاتف. هناك الكثير من الأمور التي تحدث معي لا أستطيع الحديث بها عبر الهاتف في بضع دقائق".

وزاد وضع الأسرة تعقيدا إصابة زوجته الثانية "مقبولة" بمرض السرطان أثناء وجود "سلامة" بغزة، فلم تجد من يقف إلى جانبها باستثناء أطفالها.

ويضيف حسن "والدتي مريضة. أنا وأخي نقف معها ونفتقد والدي كثيرا. ما الذنب الذي اقترفناه لتكون عائلتنا مشتتة؟".

‪أبو القرايا يحمل صورة عن رفض الاحتلال السماح له بالعودة لزوجته وأبنائه بالضفة‬ (الجزيرة)‪أبو القرايا يحمل صورة عن رفض الاحتلال السماح له بالعودة لزوجته وأبنائه بالضفة‬ (الجزيرة)

مهددون بالضياع
وتتهدد أسرة أبو القرايا الكثير من المخاطر، لعل أبرزها خوف زوجته من انحراف ابنها الأصغر في غياب والده.

وتقول للجزيرة نت "ابني الصغير لم يذهب إلى المدرسة منذ بدء العام الدراسي بعد أن كان متفوقًا، وأصبح يدخن السجائر، ولا يستمع إلى نصائحي". وتضيف "أخشى عليه من الانحراف، ورفقاء السوء".

أما ربّ الأسرة "سلامة" فيقول إن الاحتلال يرفض لمّ شمل أسرتيه، ويمنعه من العودة لأطفاله في الضفة بعد اطمئنانه على أبنائه البالغين بغزة.

ولم يدع الوالد سبيلا في محاولته العودة إلى أطفاله وزوجته، فقدّم تقارير زوجته الطبية إلى الاحتلال للسماح له بالمكوث إلى جانبها، لكن الأخير رفض.

وتسيطر حالة من الضيق الشديد على الوالد العاجز عن مساعدة زوجته في تربية أبنائه، ولاسيما مع ما يصله منها بشأن سلوك ولده الأصغر.

ويقول للجزيرة نت "أتواصل معهم عبر الهاتف، لكن في كثير من الأحيان ينفد رصيدي، ولا أستطيع شحنه، فأنا عاطل عن العمل بعد أن كنت أعمل في البناء بالضفة، وأسكن عند أشقائي".

تقصير السلطة
ويُلقي سلامة بالكثير من اللوم على السلطة الفلسطينية لعدم بذلها الجهد المطلوب من أجل الضغط على الاحتلال لإنهاء معاناته وآلاف الأسر الفلسطينية.

ويخلف التشتت الأسري الذي يتسبب به الاحتلال أجواء من العيش غير المستقر داخل العائلات، وهو ما يؤثر على سلوك أطفالها ويهدد مستقبلهم.

ويقول المختص النفسي علاء الربعي إن تشتت الأسرة يُولد إحباطًا قوي التأثير على أفرادها، ويشعرهم بالقلق وفقد الحنان، ويهدم ثقتهم بأنفسهم والمحيطين بهم.

وقد يؤدي التشتت إلى انحراف سلوك بعض أبنائها -وفق الربعي- ولاسيما في مرحلة المراهقة، إذ يسعى الابن لإثبات رجولته وأدواره الاجتماعية، في غياب الضوابط الأسرية التي تمنعه من الوقوع ضحية الإغراءات.

ولا تقتصر التأثيرات على الأطفال بل تتعدى إلى الوالدين، إذ تهبط لديهما عوامل التوافق والصحة النفسية، وقد ينتج عن ذلك الإصابة بـالاكتئاب أو المخاوف المرضية، وربما يؤدي ذلك إلى الانفصال، وفق المختص النفسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المواطنة آمال ارقيق ومعها ابنتها

تعاني أسر فلسطينية عدة من شتات أوقعتها فيه جملة من القوانين والإجراءات الإسرائيلية في مقدمتها ما يعرف بقانون “المواطنة”، الذي يمنع لمّ شمل العائلات الفلسطينية داخل حدود إسرائيل، وهو ما جعل الكثير من الأسر مقسمة بين غزة والضفة وأراضي 48.

Published On 16/6/2011
الجزيرة نت/المرأة الفلسطينية الأكثر تضررا من الجدار الفاصل (الجزيرة نت

أكدت مراكز حقوقية ومؤسسات متخصصة بشؤون المرأة وجود حالات انتهاك خطيرة لحقوق المرأة الفلسطينية بالضفة الغربية نتيجة بناء الاحتلال الإسرائيلي للجدار الفاصل, سواء من حيث تشتيت شمل العائلات أو الاعتداء على كرامتهن.

Published On 1/3/2007
المبعد ناجي عبيات أثناء تدريس ابنه محمد في منزلهم بغزة

لا يزال الاحتلال يصر على تشتيت عائلة المبعد ناجي عبيات ويرفض جمع أسرته التي انشطرت بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وسمح الاحتلال لزوجة عبيات وأبنائها بزيارة مدينة بيت لحم لطمأنة الأهل على حالهم بعد الحرب عام 2009 ولكنه لا يزال يرفض عودتهم.

Published On 19/12/2010
جنود الاحتلال يعتقلون الأطفال ويقومون بإبعادهم خارج القدس- صورة تظهر محاولة جنود الاحتلال اعتقال أطفال حاولوا صد هجمات الاحتلال باحدى قرى نابلس- الجزيرة نت

تقوم سلطات الاحتلال بحملة ممنهجة لإبعاد أطفال القدس المحتلة بشكل خاص وسكانها بصورة أعم. وتسعى إسرائيل بذلك لخلق جيل ضعيف من الشباب المقدسي عبر كسر شوكتهم بالاعتقال والإبعاد، ولترهيبهم وتشتيت عائلاتهم.

Published On 12/4/2011
المزيد من حريات
الأكثر قراءة