سلوى.. يمنية تتمنى لو أن أباها ميت

محمد غلام-صنعاء

مغالبة دموعها، وجدت سلوى أن موت والدها علي قناف زهرة المخفيّ قسريا منذ 34 عاما، "أرحم" من انتظار المجهول، والعيش في وساوس سوداء بأنه في زنزانة تحت الأرض أو لا يزال يعذب.

لا تتذكر سلوى أي شيء عن والدها المغيب عن الأنظار منذ يوم اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي في انقلاب قاده عام 1977 أحمد الغشمي، لأنها ببساطة كانت في عامها الثالث آنذاك، غير أن روحه تعيش معها وتسكنها في كل لحظة.

وحتى صوره المنتشرة هذه الأيام في شوارع صنعاء ضمن عشرات المخفيين قسريا منذ عام 1962 إلى أيام الثورة، تبث في نفسها المكلومة الدفء والحنان, وإسنادها ظهرها إليه وتلمس صوره ورسوماته في الشوارع وفي البيت يشعرها بأن لها "سندا" يحميها.

قالتها سلوى بصراحة "تمنيت لو أنه توفي لشيئين: لأضمن أنه ليس في زنزانة تحت الأرض أو يعذب، وليكون له قبر أتلمسه وأبثه شجوني وشؤوني".

حملات التذكير بمخفيي اليمن لا تتوقف(الجزيرة)

أداة الجريمة
لا تفتأ سلوى تذكر أن الرئيس السابق علي صالح هو المسؤول عن إخفاء والدها القائد السابق للواء السابع مدرع والمقرب من الرئيس الحمدي، وأن الغشمي -على فرض قتله له- لم يكن إلا "أداة لتنفيذ الجريمة".

أما الفاعل الحقيقي فهو صالح الذي كان يدير الأمور من وراء الكواليس والذي رفض التحقيق في جريمة مقتل الرئيسين الحمدي والغشمي، وتربع على الكرسي فترة أطول من كل أئمة اليمن، حسب قولها.

وتضيف "حتى هؤلاء (نظام صالح) حرمونا حتى من الترحم على روح والدنا.. كان بإمكانهم أن يقدموا لنا حفنة تراب ويقولوا لنا هذا قبر والدكم.. كنا سنصدق لأننا محتاجون إلى التصديق".

حكت سلوى عن كل شيء، عن أمها كيف صابرت ورابطت وانتظرت، وعن أموالهم المصادرة "للمصلحة العامة" دون تعويض, وعن أخواتها الخمس وأخيها وهم ينتظرون أباهم في الأعياد، وعن حاجتها لأبيها حين كبرت.. في الزواج والطلاق, وفي كل دروب الحياة.

لا تذكر سلوى سياسيي اليمن بخير كثير، فكلهم -باشتراكييهم وإسلامييهم- مشاركون في عمليات الاختفاء القسري.

سلوى علي قناف زهرة ليست إلا رقما من ضمن أبناء عشرات العائلات التي أنعشت الثورة اليمنية آمالهم في لقاء ذويهم فخابت آمالهم مع الأيام، وإن كان ظهور مطهر الأرياني بداية العام الحالي في مركز طبي بالحديدة بعد 30 عاما من الإخفاء -رغم فقدانه الذاكرة وآثار الحروق والتعذيب الوحشي عليه- قد أنعش الآمال من جديد.

102 رسما للمخفيين قسرياغطت جدران أربع مدن يمنية (الجزيرة نت)

حقوق الإنسان
تذكر سلوى وهي الآن مسؤولة التوثيق في الرابطة اليمنية لأسر المخفيين قسريا، أن 48 شخصا لا يزالون ضمن هؤلاء المخفيين, لكن وزارة حقوق الإنسان تقول إنها لم تتبلغ إلا عن ثلاث حالات أخفوا في أحداث 1994 وفق ما صرح به المستشار القانوني للوزارة حميد الرفيق.

يقول الرفيق "نعلم أن ثمة مخفيين منذ عام 1962، لكن ذويهم لم يأتوا ولم يتخذوا أي إجراءات رغم الحملة الإعلامية التي قمنا بها". غير أن سلوى "تحس" أن وزارة حقوق الإنسان "غير جادة" في التعامل مع ملف المخفيين قبل العام 2011.

وتشير سلوى إلى أن الوزارة ذاتها أغلقت ملف المخفيين عام 2006 في عهد الوزيرة خديجة الحيصمي، وأنها ووزارة الشؤون القانونية حددتا إطارا زمنيا لموضوع العدالة الانتقالية فيما يخص المخفيين قسريا في أحداث 2004 وما بعدها دون الأحداث السابقة. 

أما المصمم الفني مراد سبيع فله أرقامه الأخرى وله ريشته التي رسمت 102 مخفي على جدران صنعاء وإب وتعز والحديدة، في مسعى لأن تبقى ذكرى المخفيين حية في ذاكرة الأجيال تحكي أن الدكتاتورية والظلم مرَّا من هنا.. من اليمن الذي كان يوما ما سعيدا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كشفت منظمة حقوقية يمنية عن عمليات تعذيب لمعتقلين في سجون سرية تابعة لقوات الحرس الجمهوري والاستخبارات العسكرية، في حين قالت وزيرة حقوق الإنسان إن هناك تعقيدات ما تزال تواجه قرار الحكومة بالإفراج عن عشرات المعتقلين من سجناء الرأي وشباب الثورة.

طلب معتقل يمني في قاعدة غوانتانامو الأميركية من قاضية فدرالية منع استخدام التغذية القسرية للمضربين عن الطعام مدرجا إياها في إطار التعذيب. وفي هذا الإطار جدد رئيس الحكومة البريطانية توني بلير دعوته إلى إغلاق معسكر غوانتانامو الذي وصفه بأنه “غير طبيعي”.

يشكل ملف المعتقلين والمخفيين قسريا من شباب الثورة السلمية هاجسا يشغل حكومة اليمن منذ تنحي الرئيس السابق علي عبد الله صالح وبدء نقل السلطة سلميا وفقا للمبادرة الخليجية، في وقت يتهم فيه الثوار أجهزة أمنية وعسكرية يقودها أقارب صالح بإخفاء مصير المعتقلين.

ملوحا بصورة ابن عمه المختفي قسريا، يمضي بلال عبد الفتاح بين المتظاهرين مناديا بأعلى صوته -رفقه مئات آخرين- بضرورة معاقبة مرتكبي مجزرة “جولة كنتاكي” عند جسر الزبيري بوسط العاصمة اليمنية صنعاء، حيث قتل 120 شخصا وجرح المئات قبل سنتين.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة