العالم العربي.. المعتقل الاستبدادي الكبير

 

نبيل شبيب
 
 
طال الحديث عن إغلاق معتقل غوانتانامو، وقد أصبح عارا أسود إلى جانب سواه في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، فكم من معتقل ومعتقل ينبغي أن يغلق داخل العالم العربي والعالم الإسلامي، وكثير منها إن لم نقل جميعها يمثل عارا في تاريخنا الحديث وواقعنا الراهن؟
 
وهل يمكن أن تغلق معتقلات بلادنا دون أن يظهر من يرفع شعار التغيير ويصل إلى السلطة بأصوات الناخبين، كما حصل في الولايات المتحدة الأميركية، بغض النظر عما أُنجز من رفع هذا الشعار وما أخلف من وعود؟
 
ليس الحديث هنا عن معتقلات تشهد ألوانا لا تحصى من هدر الكرامة وراء القضبان، ووحشية التعذيب على أيدي السجان، ووأد الحريات والحقوق دون حساب، وما لا يحصى من خرق للقوانين على انحرافها وتجاهل القويم منها، وانتهاك الدساتير على ضعفها وتشويهها.
 
لو انفسح المجال للحديث عن تلك السجون والسجانين وعن الأحرار والمظلومين فيها لَطال كثيرا، إنما المشكلة الأكبر أن من يتحدثون عن ذلك من حقوقيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وهم يخاطرون عبر الحديث بأنفسهم في كثير من الأحيان، قد يؤول بهم المصير إلى دخول السجون التي يريدون تفريغها من الأحرار الأبرياء وإغلاقها.
 
هؤلاء لا يجدون أذنا صاغية أصلا، ولا يصل حديثهم إلى مستوى التأثير الفعال رسميا ولا شعبيا، وكثير من المنظمات التي أنشؤوها رغم الحظر أحيانا وفي نطاق قنوات ضيقة أوجدت للتحرك المدروس -في صيغة تنفيس مسيّس- بحيث لا يؤثر على سلطة السلطان أحيانا أخرى، لا يكاد يسمع بنداءاتهم إلا أصحابها وذوو الاهتمام الخاص بمتابعتها، رغم أن الفضاء العربي والإسلامي حافل بما يُنقل عبر الأثير من أخبار ومقالات ومواقف ومشاهد، مما لا يقارن بما كان عليه الوضع قبل فترة وجيزة من الزمن، ورغم أن الشبكة العنكبوتية وصلت ما بين القاصي والداني في أنحاء الأرض.
 
المشكلة أن المعتقلات الأكبر بقضبانها وسجانيها ومساجينها وانتهاكات الكرامة والحقوق والحريات فيها، قائمة خارج نطاق جدران تلك السجون والمعتقلات، ولولاها لما وجدت تلك السجون والمعتقلات.
 
في الولايات المتحدة الأميركية -وما أسوأ الكثير من ممارساتها منذ نشأتها الأولى- لم ينشأ غوانتانامو ويشتهر اسمه -كالسجون السرية في أنحاء الأرض- عارا على التاريخ الأميركي، إلا لاضطرار الاستبداد الدولي الحاكم عبر واشنطن إلى إقامته خارج الحدود، هربا مما تقرره المواد الدستورية والقانونية داخل الحدود، وهربا من أنها موضع التطبيق والمتابعة بغض النظر عن مفعول السلبيات والنواقص والانحرافات وسطوة مراكز القوى وهيمنة مراكز الإعلام والفكر على الحريات والمثل والمبادئ.. إنما يوجد من المتابعة حد أدنى أجبر الحاكم على الهرب بانتهاكاته لإنسانية الإنسان غير الأميركي، إلى خارج الحدود الأميركية.
 
أما المعتقلات والسجون في بلادنا والممارسات الوحشية والانتهاكات المستمرة لإنسانية الإنسان وراء قضبانها، فلا يحتاج الحاكم إلى الهروب بها خارج الحدود، فهو مطمئن لحقيقة أنه يحكم معتقلا كبيرا خارج تلك القضبان، لا يوجد فيه حتى ذلك الحد الأدنى من المتابعة والمحاسبة، الذي يجعله مضطرا إلى بعض الحيطة والحذر في بعض ما يصنع.
 
كل من لا يوالي الحاكم المستبد على استبداده وفساده ولا يشاركه في ارتكاب المظالم ما ظهر منها وما بطن، محكوم عليه أن يقبع في معتقل الكلمة والرأي، فإن تكلم وجد نصيبه من ممارسات الاستبداد ملاحقة وحصارا أو سجنا وتعذيبا أو نفيا وتشريدا.
 
كل من لا يتحول إلى بيدق من بيادق السلطة قمعا وقهرا أو فسادا ومحسوبية أو إعلاما موجها وفكرا منحرفا وأدبا تائها وفنا ضائعا، بعيدا عن قضايا الناس وحياة الناس ومشكلاتهم وآمالهم وآلامهم، محكوم عليه أن يعيش -أو يموت- وراء قضبان معتقل الفقر والبؤس ليفتح عينيه صباحا على كوابيس البحث عن لقمة الطعام لأهله ويغلق عينيه مساء على كوابيس الخشية مما قد يأتي به غده.
 
كل من يتجرأ على تجاوز حدود الكتابة أو الكلام في المشاكل اليومية الصغيرة والمسائل الجانبية التافهة لا يجد درجة من درجات سلم الانتساب إلى النخبة -إلا القليل النادر- إلا بشرط أن يكون من نخبة السلطان فيما يتعرض له كتابة أو كلاما عن طريق النهوض والتقدم وقضايا التحرر والمصير، ليصوّر التخلف تقدما، والهزيمة انتصارا، والحكم احتكارا وإرثا، والتسلّط حكمة وفنا، والمسؤولية وهما، والمحاسبة منقصة، والعجز ذريعة مقبولة، والإخفاق أمرا اعتياديا، وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الأمة والأوطان والقضايا المصيرية أمرا يستحق التغاضي ويستحق مرتكبها التبجيل، فهو سلطان بريء.. ربما ابتُلي بحاشية فاسدة، أو بظروف دولية قاهرة، أو معارضة تستقوي بالأجنبي، أو سوى ذلك مما تتفتق عنه أذهان النخب المقربة وتوأد من أجله نصائح النخب المغضوب عليها.
 
إن الحاكم الذي يرى في مظاهرة سلمية شغبا، وفي رأي حر خطرا، وفي مدونة شبكية صغيرة جريمة، وفي مطالبة بالحقوق تعديا، وفي انتقاد المسؤول إهانة، وفي المحاسبة على المسؤوليات السياسية بدعة، وفي الاستغاثات مشهدا سينمائيا، وفي عقول أبناء شعبه صوت الشارع الهائج، وفي حوار عبر فضائية إخبارية تمردا وتحريضا، وفي كشف الفساد خيانة.. هو الذي أنشأ بين بلده وبين المستقبل سدا، ودون التقدم والنهوض حاجزا، ودون تحرير الأرض والإرادة السياسية خندقا، ودون الخروج من هامشِ الهامش في عالمنا وعصرنا جدرانا منيعة، ودون توظيف الثروات والطاقات الذاتية في خدمة الأمة والأوطان ما لا يُحصى من المعتقلات المرئية، الأخطر على الأمة والأوطان من تلك السجون والمعتقلات المخصصة لوأد أحرار الأمة والأوطان وراء القضبان.
 
لقد صنع الاستبداد في معظم بلادنا العربية والإسلامية من السجون والمعتقلات في البر والبحر والأجواء داخل حدود "الوطن" ما جعل الوطن الكبير معتقلا كبيرا.
 
وإن هذا المعتقل الاستبدادي الكبير هو الآفة الأكبر من سواها، فهو ما يبيح الاعتقالات العشوائية، والمحاكمات الصورية، والانحرافات باسم القانون، والمظالم باسم القضاء، والتخلف عبر الفساد، وهو في الوقت نفسه المصدر الأكبر والشامل والمستمر لانتهاكات لا تنقطع للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، على أوسع نطاق شامل لمعظم أفراد الأمة وفئاتها.
 
هل كان يمكن أن تحمل لنا الأنباء المتوالية تسابقَ أنظمة عربية وإسلامية على ملاحقة حجاب في فضائية ونقاب في جامعة وخطبة في مسجد وكلمة في مدونة، لتسقط كل حجة تقال لمن يصنع ذلك أو ما يشابهه في الغرب، لولا اعتقال إنسانية الإنسان وحريته وكرامته وحقوقه خارج جدران السجون والمعتقلات، ظلما استبداديا فاحشا؟
 
هل كان يمكن أن تحمل لنا الأنباء في كل يوم أو في كل أسبوع خبر اعتقال فلان أو فلان من الناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا، حتى وإن بلغ به العمر عتيا، ليحاكموا ويسجنوا و"تقطع ألسنتهم مجازا".. لولا اعتقال الكلمة والفكرة والقانون والقضاء وصناديق الانتخابات والاستفتاءات استبدادا؟
 
هل كان يمكن أن تضيق السجون في مصر بساكنيها، وهي تستقبل أفواجا وتودّع أفواجا، وأن يلقى الصادقون من القضاة ورجالات الفكر والإعلام من الإهانات في الشوارع علنا، شبيه ما يلقاه من يتجرؤون على إنصافهم، أو أن يبدأ البناء في إقامة ما يسمى الجدار الفولاذي رغم إرادة شعب مصر وشعب فلسطين وإرادة الأمة من أقصاها إلى أقصاها وإرادة أحرار العالم في كل مكان.. لولا جدار الاستبداد الحاجز ما بين الإرادة الحرة.. والتعبير عن نفسها في صناعة القرار؟
 
هل كان يمكن أن تتحدى إنسانيةُ الإنسان داخل البلدان الغربية، القوانين الاستثنائية وغير الاستثنائية التي جعلت دعم أهل فلسطين في غزة -أو الضفة- دعما لإرهاب مزعوم، وجمع التبرعات لأطفال شهدائهم جريمة تحت طائلة العقوبة، فتسيّر قوافل "شريان الحياة" وأخواتها برا وبحرا لتلقى العنت على بوابات حصار عربية، ولا تنقطع رغم ذلك، ثم لا نجد من يمارس التحدي ويسيّر مثل تلك القوافل من داخل البلدان العربية والإسلامية إلى المحاصَرين.. لولا أن زراعة الخوف واغتيال الوجدان والانشغال بالفقر أو الترف أصبحت قضبانا أشدّ رسوخا وأقوى مفعولا من المعتقلات والسجون، بفعل غسيل دماغ جماعي وقهر إنساني متواصل وسوى ذلك من الممارسات الاستبدادية عبر عقود وعقود؟
 
إن الاستبداد هو الآفة الكبرى وعلّة العلل ومكمن الجرح الكبير الذي تعاني منه الأمة في حاضرها ومستقبلها وكافة قضاياها المصيرية، وهو ما يرسّخ الاستخذاء في الحاكم على هامش العالم والاستكانة في المحكوم داخل قضبان الوطن.
 
من أراد العمل من أجل الإنسان وكرامة الإنسان في البلدان العربية والإسلامية، فالطريق إلى ذلك هو نهاية الاستبداد وتحكيم إرادة الشعب ومشاركته المباشرة في صناعة القرار على كل صعيد سياسي واقتصادي ومالي واجتماعي وفكري وثقافي وتربوي ورياضي وفني.
 
من أراد العمل لنصرة المعتقلين داخل السجون وخارج السجون، واستعادة الحقوق والحريات، ومكافحة الفقر والمرض، وإنقاذ الأرض والمقدسات، واستثمار الطاقات والثروات، وسلوك درب النهوض والتقدم، وبلوغ ذروة الرقي والحضارة، وتعزيز موقع العلم والبحث، وتقويم الفكر والإعلام، وتحرير المرأة والرجل، وتنشيط الزراعة والصناعة، وأخذ المكانة الكريمة على خارطة العالم وفي واقع البشرية، وحمل رسالة الخير والهداية والعدالة للإنسانية، فإن الطريق إلى ذلك كله هو نهاية الاستبداد وتحكيم إرادة الشعب ومشاركته المباشرة في صناعة القرار على كل صعيد.
 
الاستبداد هو العنوان الجامع لكافة الأوبئة والأمراض، ومكافحة الاستبداد هي البوابة الأكبر للشفاء من كافة الأوبئة والأمراض، وهو الحاضن للمعتقل الكبير والمعتقلات والسجون الصغيرة، ومكافحة الاستبداد هي طريق تحرير المعتقل الكبير وإغلاق المعتقلات والسجون الصغيرة.
 
والظلم ظلمات يوم القيامة.. والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا). وإن الموت مصير كل مستبد، فمن أراد النجاة في الآخرة فليتخل عن الظلم والاستبداد.
 
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمن يريد مكافحة الظلم والظالمين والاستبداد والمستبدين.. حتى ولو كان غلاما ناشئا: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام، وجفت الصحف)، فمن أراد النجاة في الدنيا والآخرة فلا يقعدنّ عن مكافحة الاستبداد بكل يملك من الوسائل، إلا ما قد يتعدّى به على سواه فيوقعه في ارتكاب ظلم بحق نفسه وحق إنسان آخر.
المصدر : الجزيرة