ابن تيمية

أحمد الجنابي

تتناول الحلقة 19 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر ربيع الأول الجاري حسب التقويم، وهو ولادة ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام، الذي رأى النور في مثل هذا الشهر من عام 661 للهجرة.

هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني الشهير بابن تيمية. ولد في حران التي كانت جزءا من بلاد الشام وهي اليوم داخل حدود تركيا.

غزا التتار حران وما حولها، فقام والده بنقل الأسرة إلى دمشق حفاظا على سلامتها من الفظائع التي كان التتار يرتكبونها بحق سكان المناطق التي يستبيحونها.

كان والده السيد عبد الحليم عالما ومدرسا ويحرص طلاب العلم على الالتحاق بحلقاته الدراسية. نشأ ابن تيمية في هذا الجو الثقافي، وحضر الحلقات التي كان والده يحاضر فيها، كما التحق بالحلقات الدراسية التي كان يقيمها زين الدين أحمد بن عبد الدايم المقدسي وابن عساكر.

وبعد وفاة والده، أخذ مكانه في الحلقة الدراسية وصار محاضرا، وحقق حضورا ملفتا في تدريس الفقه الحنبلي.

برع في علوم القرآن والحديث والفقه والكلام. تمسك بسنن السلف الصالح، وبرهن على ضرورة اتباعها بطريقة لم يسبقه إليها أحد، رغم أن كل الإثباتات التي استشهد بها هي من الكتاب الحكيم والسنة المباركة.

كان ابن تيمية جريئا في طرح أفكاره وآرائه المبتكرة، وقد جلب ذلك عليه وبالا كثيرا، وأكسبه أعداء كثرا لم يستسيغوا طريقة تفكيره التي اعتبرت تحديا لما اعتادوا عليه. من جهة أخرى مثلت أفكاره نسفا لتيارات أخرى لها قادة وأتباع، ومثل فكره خطرا على وجود تلك التيارات.

أصدر في مسألة صفات الله فتوى ألّبت عليه علماء الشافعية، وحرم نتيجة لذلك من إصدار الفتاوى، لكن تعاظم خطر التتار اضطر السلطات إلى إسناد مهمة الحض على الجهاد إليه لما كان يتمتع به من علم وخطابة وتأثير على الجماهير.

سافر إلى مصر عام 705 للهجرة، ودخل في خلافات مع الفقهاء هناك، وسجنه السلطان الناصر، ثم أطلق سراحه وعاد إلى التدريس. إلا أن إطلاق سراحه لم يشفع للسلطان عند ابن تيمية المتمسك بعقيدته، ولم يمكنه من انتزاع فتوى منه بجواز انتقام السلطان أو الحاكم من أعدائه.

رافق عام 712 الجيش الزاحف من مصر إلى بلاد الشام لملاقاة التتار، وعاد بذلك إلى دمشق بعد غياب سبع سنين، واستأنف حلقاته التدريسية فيها، لكن السلطان منعه بكتاب رسمي من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق (أن يحلف شخص بالطلاق من زوجته ويربط ذلك بحدوث أمر ما من عدمه). وكان ابن تيمية قد وضع لهذه المسألة تأويلات وحلولا أغضبت فقهاء مذاهب أهل السنة الثلاث الشافعية والأحناف والمالكية.

لم يعر أوامر السلطان بالا، فحكم عليه بالسجن في قلعة دمشق، ومكث هذه المرة خمسة أشهر ونصف الشهر. عاد بعد إطلاق سراحه إلى حلقاته الدراسية الدمشقية وممارسته للفتاوى والتوجيهات التي كان يعتقد أنها حركة تصحيحية لشوائب شابت العقيدة مع مرور السنين. 

أفتى في مسألة شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، ورفض التبرك بالأولياء. ورأى أنه حتى شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم حصرا يعتبر معصية، مستندا إلى حديث نبوي شريف يقول: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا". وأباح ابن تيمية زيارة المسلم لقبر مسلم آخر في ظروف محددة.

لم يترك ابن تيمية تفصيلا في الدين الحنيف إلا وتطرق له واجتهد في شرحه وتفسيره، وكما أسلفنا فإن طريقة رؤيته للأمور وجرأته في طرح أفكاره ألبت الكثيرين عليه، حتى رماه البعض بالزندقة مثل ابن حجر الهيتمي وتقي الدين السبكي، لكن المتصفح لسيرته يرى أن الذين اتبعوه ومدحوا علمه أكثر بكثير من الذين ذموه وليس أقلهم تلميذه ابن الجوزية والذهبي وابن قدامة والصرصري الصوفي وابن الوردي وإبراهيم الكوراني ومحمود الآلوسي وغيرهم.

استطاع خصوم ابن تيمية استصدار مرسوم سلطاني عام 726 للهجرة يقضي بسجنه في قلعة دمشق سجنا انفراديا، وقام أخوه على خدمته.

دأب وهو في سجنه على الكتابة والتأليف والرد على مخالفيه، فصودر منه القسطاس والقلم ولم تترك له سوى سجادة الصلاة ونسخة من الكتاب الحكيم.

مكث ابن تيمية في سجنه حوالي السنتين، حتى مرض وتوفي في سجنه يوم الاثنين الموافق العشرين من ذي القعدة سنة 728 للهجرة، تاركا وراءه حوالي 500 بحث ورسالة وكتاب.

تأثر به مؤسسو الحركة الوهابية في شبه جزيرة العرب، واتصلوا بعلماء الحنابلة في دمشق. وتعتبر التعاليم التي تتبناها الحركة الوهابية تجسيدا لكل ما جاهد ابن تيمية من أجله في حياته.

المصدر : الجزيرة
المزيد من بالهجري
قصة اعتماد التقويم الهجري
معركة الريدانية
إعدام صدام حسين