علامات إنذار مبكرة قبل ظهور مرض باركنسون

قبل بلوغ مرض باركنسون مراحله المتقدمة والواضحة، يرسل الجسم بعض الإشارات المبكرة. ومن غير المفاجئ أن الوظائف التي تتأثر هي تلك التي تتحكم فيها الخلايا العصبية الدوبامينية.

خلافا للفكرة الشائعة التي تقول إن ارتعاش الجسم هو العلامة الوحيدة على مرض باركنسون أو الشلل الارتعاشي، فإن هنالك علامات إنذار أخرى تكون أقل وضوحا، يصاب بها الإنسان في السنوات السابقة لظهور المرض.

وتقول الكاتبة سيسيل تيبر، في هذا التقرير الذي نشرته صحيفة "لوفيغارو" (le figaro) الفرنسية، إن أغلب الناس عندما يفكرون في مرض باركنسون يتخيلون فقط يدين مرتعشتين، ولكن في الواقع يمكن الإصابة بهذا المرض حتى قبل ظهور علامات الشلل الارتعاشي، وهو ما ينطبق على نحو ثلث الحالات التي تعاني هذا المرض.

وتضيف الكاتبة أن مرض باركنسون يمكن أن تظهر بوادره أيضا من خلال أعراض أخرى، قبل أشهر أو سنوات من بداية المشاكل الحركية، مثل بطء وتشنج العضلات، والارتعاش في وضعيات الراحة.

وتنبّه الكاتبة إلى أن الجهل بهذه العلامات التي ليس من السهل ملاحظتها يؤدي إلى تأخير عملية التشخيص والعلاج، ومن ثم زيادة معاناة المريض وتأثر حياته اليومية.

ويقول البروفيسور مارك فيران طبيب الأعصاب في المستشفى الجامعي بمدينة رين ورئيس المعهد الفرنسي لعلم الأعصاب السريري "إن باركنسون مرض عصبي تنكسي يصيب بشكل أساسي الخلايا العصبية الدوبامينية، أي الخلايا العصبية التي تنتج الناقل العصبي الدوبامين".

ويوضح فيران أن "الدوبامين مادة تصنعها هذه الخلايا العصبية وتستخدمها للتواصل في ما بينها، تماما مثل شبكة الجيل الرابع التي نعتمد عليها للتواصل في هواتفنا المحمولة".

تدمير الخلايا العصبية

ويقول البروفيسور فيران إن هذه الخلايا العصبية الدوبامينية توجد في كل أنحاء المخ، وعلى سبيل المثال في البصلة الشمّية التي تمكننا من التعرف على الروائح، وكذلك في المناطق التي تؤدي دورا رئيسيا في تنظيم العواطف، وفي بعض الوظائف الإدراكية، وأيضا في عملية التحفيز.

كذلك لهذه الخلايا العصبية دور مهم في تنفيذ الحركات الآلية والتلقائية للجسم، مثل المشي وتأرجح الذراعين وتعابير الوجه، وتعديل وضعية العضلات في حالات الاسترخاء. وتوجد هذه الخلايا أيضا في الجهاز الهضمي، ومن ثم فلها وظيفة أساسية جدا في جسم الإنسان.

ويضيف البروفيسور أن الأشخاص المصابين بمرض باركنسون يتعرضون لتدمير تدريجي للخلايا العصبية، مع استحالة شفائها، والسبب في ذلك ربما يكون تراكم المواد الكيميائية التي تسمّم الأعصاب.

فقدان الشم والاكتئاب

وقبل بلوغ مرض باركنسون مراحله المتقدمة والواضحة، يرسل الجسم بعض الإشارات المبكرة. ومن غير المفاجئ أن الوظائف التي تتأثر هي تلك التي تتحكم فيها الخلايا العصبية الدوبامينية.

ويقول البروفيسور فيران "إن أولى علامات الإنذار المبكرة هي فقدان الشمّ بشكل جزئي أو كلي. وبالتأكيد أحيانا يصاب الناس بهذه الحالة لأسباب أخرى مع التقدم في السن، ولكن هذا العرض يصيب 80% إلى 90% من الأشخاص الذين يشخّص لاحقا مرضهم بباركنسون، وفي المقابل يصيب 25% فقط من المسنّين الآخرين".

ويضيف أنه "إلى جانب مشكلة الشم، هنالك أيضا حالة الإمساك المزمن التي تظهر مبكرا على مرضى باركنسون".

"وهنالك أيضا علامة أخرى، هي القلق غير الاعتيادي، والمعاناة من بعض الآلام، وهي حالة مرتبطة بنقص الدوبامين الذي يجعل الجسم أكثر حساسية، ومن ثم يشعر الإنسان بألم أكبر عندما يتعرض لإصابات عضلية أو مفصلية".

مشاكل في النوم

ومن المفاجآت الأخرى التي كشفت عنها البحوث الطبية أن مرض باركنسون يمكن أن يظهر في البداية من خلال صعوبات في النوم، فأكثر من نصف المرضى عانوا على امتداد سنوات أو عقود من هذه الاضطرابات، قبل ظهور الاضطرابات الحركية.

وكذلك قد تظهر على بعض المعرضين للإصابة بمرض باركنسون مشاكل سلوكية في الليل، وبالتحديد في وقت النوم، مثل التصرف العنيف والصراخ واستعمال قبضة اليد والساقين للطرق بقوة.

وتشير الكاتبة إلى أن ظهور هذه الأعراض لا يعني بالضرورة أن الشخص يتجه نحو الإصابة بمرض الشلل الارتعاشي، فكل هذه المشاكل الصحية قد تكون مرتبطة بحالة أخرى، أو بسبب التقدم في السن. كذلك فإن الأشخاص المعنيين بمشاكل التنكس العصبي، ومن ثم الإصابة بمرض باركنسون أو غيره أحيانا لا يصابون بالمرض إلا بعد مرور 14 سنة كاملة.

المسارعة بالتشخيص

تطرح الكاتبة تساؤلا عما إذا كان الاختيار الأفضل هو مراقبة هذه العلامات والخضوع للتشخيص المبكر، أو تجاهل الأمر والاستمتاع بالحياة بعيدا عن الخوف والترقب.

وترى الكاتبة أن الإجابة عن هذا السؤال تبقى معقدة وتختلف من إنسان إلى آخر، لأن الواقع حتى الآن يشير إلى عدم وجود علاج دوائي، قادر على القضاء على هذا المرض عند تناوله في المراحل المبكرة.

ويقول البروفيسور فيليب ريمي "منذ اللحظة التي تظهر فيها العلامات المبكرة مثل فقدان الشم ومشاكل النوم نكون نظريا قادرين على اكتشاف فقدان الخلايا العصبية الدوبامينية، وذلك بالاعتماد على تقنية التصوير الطبي الدماغي، حتى قبل ظهور المشاكل الحركية. ولكن عمليا نحن لا نقوم بهذه الفحوص، لأن الأدوية المتوفرة حتى الآن لا تفيد مع هذه العلامات المبكرة".

في المقابل، يؤكد البروفيسور فيران ضرورة التشخيص المبكر، من أجل حصول المريض على العلاجات المساعدة منذ البداية، حيث إن الأدوية التي تعوّض نقص الدوبامين يمكنها تخفيف المعاناة لدى المريض، وتخفيف تأثير المرض على حياته اليومية والعائلية والمهنية.

وفي الختام تؤكد الكاتبة أن الأطباء والباحثين بشكل عام واثقون من أنهم في المستقبل سيتمكنون من اكتشاف علاجات فعالة لمرض باركنسون أو الشلل الارتعاشي، وأن هناك عددا هائلا من المشاريع البحثية والابتكارات الجديدة قيد التطوير في الوقت الحالي. وفي انتظار هذا الانفراج، يجب على كل الناس ممارسة الرياضة بانتظام، لأن الأبحاث العلمية أكدت فائدتها في الوقاية من هذا المرض.

المصدر : لوفيغارو

حول هذه القصة

حاسة الشم

بعد انتشار جائحة فيروس كورونا، توقع البعض أن فقدان حاسة الشم يعود لسببين لا ثالث لهما، إما الإصابة بنزلات برد وإما التقاط عدوى فيروس كورونا. ولكن في الحقيقة، هناك العديد من الأمراض التي تقف وراءها.

Published On 23/1/2021
المزيد من صحة
الأكثر قراءة