كيف تواجه ألمانيا فيروس كورونا هذا الخريف؟

كيف تواجه ألمانيا فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" هذا الخريف؟ وهل توقفت الموجة الجديدة؟ هل أصبحت نهاية الجائحة وشيكة؟

يرى بعض الخبراء أنها "تجاوزت ذروة" جائحة كورونا، في حين يحذر آخرون من موجة جديدة خلال الخريف والشتاء. أما السلطات فتركز على مجموعتين أساسيتين: أطفال المدارس وغير المُطمعّين. وذلك وفقا تقرير كاي ألكسندر شولتس في دويتشه فيله.

وزير الصحة ينس شبان أبدى تفاؤله في مؤتمر صحفي، موضحاً أن الوضع الوبائي "يمكننا التعامل معه بشكل جيد حالياً". ويبدو أن معظم الألمان أيضاً يعتقدون ذلك. فقد أظهر استطلاع أجراه معهد أبحاث الرأي "إنفراتيست ديماب" أن 42% فقط من الألمان قلقون حالياً بشأن ازدياد عدد الإصابات بشكل كبير، وكانت هذه النسبة 62% أثناء الصيف.

إيقاف الموجة الجديدة

تظهر الأرقام أن ألمانيا استطاعت بالفعل إبطاء الموجة الرابعة من كورونا التي ظهرت هذا الصيف. فمنذ مدة ومعدل الإصابة بالعدوى يتراوح بين 60 و70 لكل مئة ألف شخص. كما أن عدد الإصابات في حالة ركود. ومع ذلك، فهو أعلى مما كان عليه نفس الفترة من عام 2020.

لكن معدل الإصابة لم يعد المعيار الوحيد، فقد اتفقت الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات خلال الصيف على استخدام "معدل الاستشفاء" (معدل دخول المستشفى) لتقييم العدوى. ويبلغ هذا المعدل حالياً حوالي 1.6 حالة دخول إلى المستشفى لكل مئة ألف شخص في غضون أسبوع واحد، وبالتالي فإن كل شيء على ما يرام.

كما أن الوضع في وحدات العناية المركزة ليس مقلقاً، فنسبة المصابين بكورونا في وحدات العناية المركزة في كل ألمانيا تقريباً لا تصل إلى 10%.

لكن إلقاء نظرة على بعض النسب المئوية يظهر أيضاً أن الفيروس لايزال نشطاً ويحدد مصائر فردية. فعلى خريطة كورونا لمعهد روبرت كوخ، تم تمييز أكثر من 40 مقاطعة أو مدينة باللون الأحمر المتوسط ​​أو الداكن، وهو ما يتوافق مع معدل إصابة يتجاوز مئة أو حتى مئتين.

وفي مستشفيات ولاية شمال الراين-ويستفاليا، الأكثر اكتظاظاً بالسكان، يتم حالياً علاج حوالي 280 مصاباً بكورونا (اعتباراً من يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول) نصفهم يعتمدون على التنفس الاصطناعي. وهم بشكل أساسي من غير المطعمين ضد الفيروس والذين يعانون من مرض خطير.

حذر السياسيين

تقول بيريت لانغ من مركز "هيلمهولتز" لأبحاث العدوى في حديث مع دويتشه فيله "من الصعب للغاية أن نقول أين مسار هذه الجائحة، والتي نفترض أنها ستستمر من سنتين إلى 4 سنوات في جميع أنحاء العالم" وتضيف "ما نعرفه أننا في ألمانيا لا نمتلك حتى الآن مناعة كافية بين السكان لنتجنب تماماً حالات العدوى الشديدة والتي تشكل عبئاً على المستشفيات".

ووفقاً للأرقام الرسمية، تبلغ نسبة المطعمين بشكل كامل حالياً 65%، ومن بين أولئك الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً، والمعرضون للخطر بشكل خاص، وتبلغ نسبة التطعيم 85% تقريباً. ومع ذلك، فإن الأرقام ليست مؤكدة تماماً.

ويشير معهد روبرت كوخ نفسه إلى أن نسبة المطعمين قد تكون أعلى بـ 5 نقاط مئوية. فعلى ما يبدو، لم يتم الإبلاغ عن العديد من التطعيمات من قبل بعض الأطباء، وقال المعهد إن المراجعة جارية.

الآن يبدأ موسم البرد، ويقضي الناس معظم أوقاتهم بالداخل، وهذا يزيد من احتمالية الإصابة بالعدوى. السياسيون يدركون ذلك، فبالإضافة إلى الرسالة التي مفادها أن الوضع تحت السيطرة إلى حد ما، أرسل وزير الصحة على الفور تحذيراً بعد ذلك، مشيراً إلى أن نسبة التطعيم الحالية لن تكون كافية لخريف وشتاء آمنين، ومحذراً من الغرور.

وأضاف شبان "يجب ألا نسير بسرعة كبيرة (في إلغاء تدابير احتواء كورونا) ولكن خطوة بخطوة. حتى لا نضطر إلى العودة إلى الوراء".

إن ما أطلق عليه في بريطانيا "يوم الحرية" (19 يوليو/تموز الماضي) حيث أعلن فيه انتهاء جميع إجراءات احتواء كورونا، لا يلوح في الأفق بالنسبة لألمانيا حاليا. ومع ذلك، ترى عالمة الأوبئة لانغ أن هذا اليوم لن يفيد، وتوضح "إن مسألة، ما إذا كان المرء يستدعي شيئاً كهذا، هي سياسية. أما لو أمكن للمرء الصمود بعد ذلك فإنه مسألة وبائية". وتشير إلى أنه عندما يرتفع معدل الإصابة مرة أخرى، مع تشكيل عبء ثقيل على النظام الصحي، فليس أمام السياسيين سوى خيار إعادة تطبيق تدابير الحماية.

أطفال المدارس وغير المُطعّمين

تركز سياسة ألمانيا بشأن كورونا حالياً على مجموعتين. فأولئك الذين يعانون من الوباء كل يوم تقريباً في المقام الأول أطفال المدارس. فلم يوص بعد بالتطعيم للذين تقل أعمارهم عن 12 عاماً، وهذا يؤثر على حوالي 9 ملايين طفل في البلاد. ورغم أن معظم الإصابات تحدث في صفوف هذه الفئة العمرية، فلم يكن هناك سوى عدد قليل من الحالات الخطيرة، كما يوضح الأطباء. ومع ذلك تحذر عالمة الفيروسات يانا شرودر، في مقابلة مع دويتشه فيله، من الاضطرار إلى نقل الأطفال أيضاً إلى المستشفيات بسبب كورونا.

ولحماية أطفال المدارس، يستمر تطبيق لوائح النظافة والاختبارات وتعليمات الحجر الصحي، والتي تختلف من ولاية إلى أخرى ومن مدرسة لأخرى. لكن الخلاف القائم حالياً يدور حول فرض ارتداء الكمامات على الأطفال بالمدارس. يؤيد معهد روبرت كوخ هذه الخطوة، على عكس العديد من أطباء الأطفال. وقد ألغت بعض الولايات بالفعل شرط ارتداء الكمامات أو قيدته أو تخطط للقيام بذلك. لكن لا توجد قواعد اتحادية بهذا الشأن، فالنظام المدرسي يقع ضمن اختصاص الولايات.

الضغط يزداد

المجموعة الأخرى التي تركز عليها الطبقة السياسية هي غير المُطعّمين. وعلى الرغم من عدم وجود إجبار بالتطعيم، فإن الضغط على غير المُطعّمين آخذ في الازدياد. ففي العديد من المطاعم ولدى مصففي الشعر والحلاقين أو في المناسبات الموسيقية، يُسمح فقط بالدخول لأولئك الذين أجروا اختباراً لكورونا والمتعافين والمُطعّمين. كما يمكن لأصحاب تلك الأماكن السماح بدخول المتعافين والمُطعّمين فحسب.

وفي خطوة أخرى من المفترض أن تؤدي إلى زيادة الضغط على غير المُطعمين من البالغين، تم إلغاء مجانية إجراء اختبارات الكشف عن كورونا. وفي برلين، يمكن ملاحظة هذه الخطوة بالفعل، فعدد مراكز الاختبار تناقص بالفعل، ومن الآن فصاعداً يكلف إجراء الاختبار نحو 25 يورو (حوالي 29 دولارا). ويتعلق التشديد المقبل بقواعد الحجر الصحي. فحتى الآن، يستمر دفع أجور العاملين عند دخولهم في الحجر الصحي. لكن اعتباراً من نوفمبر/تشرين الثاني لن يصبح ذلك متاحاً للأشخاص غير المُطعّمين.

حملة تطعيم بالمنازل

تقول لانغ إن التركيز على هاتين المجموعتين الوقت الحالي، لا سيما على البالغين غير المُطعّمين والمعرضين لخطر أكبر لإصابة شديدة بالمرض، أمر منطقي للغاية من الناحية الوبائية. وتضيف "علينا أن نرى ما إذا كان ذلك سينجح". لكن لانغ ترى أن ما ينقص هو معرفة أكثر دقة حول "أي المجموعات السكانية لم يتم تطعيمها بعد، من ناحية الأماكن (التي تعيش فيها) وأيضاً من ناحية الخصائص الأخرى (لتلك المجموعات) بالإضافة إلى معرفة التدابير المحددة التي يمكن استخدامها".

وتضيف "يتعين الآن القيام بحملة للتطعيم في المنازل -إذا جاز التعبير- في كل مكان، ومخاطبة الأشخاص (غير المُطعّمين) على وجه التحديد، فمن السهل عليهم قبول عروض التطعيم".

إليك ما يلزم لإنهاء الجائحة

تقول ليانا س. وين الكاتبة في واشنطن بوست (Washington Post) أن نهاية جائحة كورونا قد تكون وشيكة نظرا لأن زيادة سلالة دلتا تتراجع، كما تتراجع حالات الإصابة الجديدة بأكثر من الثلث منذ الأول من سبتمبر/أيلول المنصرم.

وتضيف -في مقال لها بالصحيفة- أن فرصة العودة إلى الوضع الطبيعي، رغم أنها غير مضمونة، في المتناول. وتورد بعض الشروط لوضع هذه الأزمة الصحية العامة وراء ظهورنا.

وتوضح أن ذلك يتطلب في المقام الأول القبول بأن جائحة "كوفيد-19" باقية في المستقبل المنظور، وأن سياسة "زيرو كوفيد" (Zero Covid) لن تنجح. فحتى نيوزيلندا، التي كانت حتى وقت قريب تنفذ إغلاقا كاملا للبلاد لحالة واحدة، قد اعترفت بذلك.

وتضيف وين أنه يجب أن نعترف بحقيقتين: أولا من غير المرجح أن نرى الفيروس فجأة يصبح أقل فتكا، لأن الطفرات الجديدة بإمكانها أن تؤدي إلى متغيرات أكثر عدوى وأكثر ضراوة. والأسوأ من ذلك أن مثل هذه المتغيرات تهرب من حماية اللقاحات الموجودة.

ثانيا، في الوقت الذي يجب أن نواصل محاولة تحقيق مناعة السكان من خلال التطعيم على نطاق واسع، فمن المحتمل ألا نتمكن من قمع العدوى إلى مستويات منخفضة جدا في أي وقت قريب.

وأضافت أن الأمر السار، رغم هذه الحقائق، هو أنه من الممكن تحويل "كوفيد-19" من أزمة وجودية إلى مشكلة يمكن التحكم فيها من خلال 3 إجراءات رئيسية.

أولا، يجب توفير اللقاحات للأطفال الأصغر سنا. صحيح أن الصغار الذين يصابون بالمرض يميلون إلى عدم الإصابة مثل البالغين، فقد مات مئات الأطفال بسبب "كوفيد-19" (أكثر من 1 من كل 4 إصابات جديدة كانت عند الأطفال). وفي حين يتم تلقيح الأطفال بلقاح يقلل بشكل كبير من احتمال إصابتهم بأمراض خطيرة، يجب أن يحذر الآباء كما لو كانوا غير محصنين.

ثانيا، هناك حاجة لعلاج في العيادات الخارجية عن طريق الفم لفيروس "كوفيد-19". وهذا أيضا يلوح في المستقبل غير البعيد، فقد أعلنت شركة ميرك (Merck) للتو عن نتائج ملحوظة لأقراص مضادة للفيروسات تُدعى مولنوبيرافير (Molnupiravir) تقول إنها يمكن أن تقلل دخول المستشفى أو الوفاة بنحو 50%، وهي تؤخذ عن طريق الفم مرتين يوميًا لمدة 5 أيام، وتعد أكثر ملاءمة بكثير من العلاج الحالي للأجسام المضادة وحيدة النسيلة المبكرة لـ "كوفيد-19" والتي تتطلب مركز علاج متخصصا للحقن في الوريد أو سلسلة من الحقن.

ولكي نكون واضحين، لن تكون الأقراص المضادة للفيروسات علاجا لـ "كوفيد-19". ومن الواضح أنه من الأفضل بكثير أن يتم التطعيم، وعدم الإصابة بالفيروس، في المقام الأول. ومع ذلك، هناك حوالي 70 مليون أميركي اختاروا حتى الآن عدم التلقيح. فإذا كان تناول الأقراص المذكورة يعني أن المصابين سيحتاجون إلى سرير في المستشفى بمقدار النصف، فيمكن أن يساعد ذلك في تخفيف الضغط على نظام الرعاية الصحية وإنقاذ أرواح لا حصر لها.

وقد تم اختبار "مولنوبيرافير" فقط على غير المحصنين حتى الآن، ولكن من المحتمل أن يساعد في تقليل شدة "كوفيد-19" للمُلقحين الذين يصابون بعدوى مفاجئة أيضا. فمن الناحية المثالية، سيدرس الباحثون أيضا هذا العلاج عن طريق الفم لمعرفة ما إذا كان يعمل على منع شخص معرض لخطر كبير من الإصابة بالفيروس، كما يفعل دواء تاميفلو لعلاج الإنفلونزا والوقاية منها.

وبالإضافة إلى "ميرك" تمتلك العديد من شركات الأدوية الأخرى، بما في ذلك روش (Roche) وفايزر (Pfizer) مضادات فيروسات عن طريق الفم في مرحلة متأخرة من التجارب السريرية. وهذا يعني أنه في غضون بضعة أشهر، يمكن أن يؤدي الجمع بين التطعيم والعلاج المبكر إلى جعل الوباء يشبه الإنفلونزا الخفيفة أكثر من كونه حكما محتملا بالإعدام.

ثالثا، يجب أن توفير اختبارات سريعة مجانية ومتاحة بسهولة. فالعلاجات المضادة للفيروسات وحقن الأجسام المضادة لا تعمل إلا على درء المرض الشديد عند تناولها مبكرا أثناء المرض. وهذا يعني أنه يجب اكتشاف العدوى في أسرع وقت ممكن. وعلاوة على ذلك، فإن حوالي نصف عدد حالات انتقال كورونا تأتي من الأشخاص الذين لا تظهر عليهم الأعراض. ولذلك تتطلب السيطرة على الفيروس تحديد هؤلاء الأفراد قبل حدوث انتقال العدوى، والذي يتوقف أيضا على الاختبار.

ومع ذلك، على الرغم من الاعتراف الواسع النطاق بأهمية التشخيص الفوري والاكتشاف المبكر، فإن الاختبار لا يزال يمثل إستراتيجية غير مستغلة بشكل كبير لمكافحة العدوى في أميركا. بهذا الصدد، تقول الكاتبة إن الأميركيين متخلفون عن البلدان الأخرى. فقد أتاحت بريطانيا الاختبارات المجانية لجميع سكانها حتى يمكن اختبار الجميع مرتين في الأسبوع. وتقدم كندا اختبارات سريعة مجانية للشركات. وتنفذ سنغافورة واليابان الاختبارات بمبلغ رمزي من خلال آلات البيع المنتشرة في كل مكان.

ويمكن للولايات المتحدة أن تفعل ذلك أيضا. ولو خضعت كل أسرة لاختبارات منزلية مرتين في الأسبوع قبل أن يذهب الأطفال إلى المدرسة ويتوجه الآباء إلى العمل، ولو أصبح من المعتاد أن يخضع الأصدقاء والعائلة لاختبارات سريعة قبل الاجتماع معا لحفلات الزفاف وحفلات أعياد الميلاد وحتى حفلات العشاء غير الرسمية والساعات السعيدة، جنبا إلى جنب مع متطلبات اللقاح، وقتها يمكن أن يحل الاختبار المنتظم محل الحاجة إلى الإخفاء والتباعد في المدارس والمكاتب والأماكن الاجتماعية.

وأخيرا، أعربت الكاتبة عن اعتقادها بأن الولايات المتحدة مرت بالفعل بأحلك أيام الوباء، وقد يكون الفيروس موجودا ليبقى، ولكن إذا كان الناس مسلحين بالأدوات المناسبة فلن يعود الوباء إلى السيطرة على حياتهم.

المصدر : الجزيرة + دويتشه فيله + واشنطن بوست

حول هذه القصة

يراهن صانعوا اللقاحات على أن تقنية لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال، المسماة اختصارا لقاح الرنا، والمعتمدة في تصنيع اثنين من لقاحات فيروس كورونا، سوف تساهم أيضا في الحد من أعداد الوفيات الكارثية في كل سنة جراء الأنفلونزا الموسمية.

يراهن صانعو اللقاحات على أن تقنية لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال، المسماة اختصارا لقاح “الرنا”، والمعتمدة في تصنيع اثنين من لقاحات فيروس كورونا، سوف تسهم أيضا في تقليل وفيات مرض آخر.

Published On 11/10/2021
المزيد من كوفيد-19
الأكثر قراءة