كورونا يهزم "مناعة القطيع" في بريطانيا.. ويُـدخل الراعي بوريس جونسون إلى العناية المركزة

اليوم الأربعاء ما زال جونسون في قسم العناية المركزة في أحد مستشفيات لندن (رويترز)
اليوم الأربعاء ما زال جونسون في قسم العناية المركزة في أحد مستشفيات لندن (رويترز)

د. أسامة أبو الرب

قصة درامية ومنحى غير متوقع، هذا ما يمكن أن نصف به قصة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مع فيروس كورونا المستجد، وتدرجت انطلاقا مما وصفه البعض بالاستهتار، ثم مناعة القطيع، فالاستنفار، وأخيرا دخول جونسون العناية المركزة.

وفي تعامله مع فيروس كورونا المستجد سارس كوف 2 المسبب لمرض كوفيد-19، تدرج جونسون (55 عاما) من الشخص المرتاح الذي يصر على المصافحة دون اعتبار لشروط السلامة والوقاية، إلى نزيل وحدة العناية المركزة في المستشفى.

واليوم الأربعاء ما زال جونسون في قسم العناية المركزة في أحد مستشفيات لندن حيث أعلن أن "وضعه مستقر" بعد إصابته بفيروس كورونا الذي أصاب أكثر من 55 ألف شخص في بلاده وتسبب بوفاة أكثر من سبعة آلاف من مواطنيه. وسجلت بريطانيا اليوم الأربعاء عددا قياسيا جديدا للوفيات في 24 ساعة إذ بلغ 983.

وواجه جونسون انتقادات في أزمة كورونا لأنه تأخر في فرض إجراءات العزل، حتى استخف في مطلع مارس/آذار بانتشار الفيروس عبر قوله إنه "صافح الجميع" بينهم مرضى بكورونا خلال زيارة إلى مستشفى.

وبدأ تفشي فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر/كانون الأول الماضي في سوق للأطعمة كان يبيع حيوانات برية بطريقة غير مشروعة، وتجاوز عدد الإصابات عالميا مليونا وأربعمئة ألف، وبلغت الوفيات 80 ألفا، والرقم في ارتفاع.

وأطلق على الفيروس اسم "سارس كوف 2" (SARS-CoV-2)، وذلك لتمييزه عن فيروس "سارس كوف" (SARS-CoV) المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس)، الذي انتشر في 2002 و2003، وسبب 774 وفاة، أغلبها في آسيا.

وسنأخذكم في الرحلة التي خاضها جونسون:

3 مارس/أذار
قال جونسون في مؤتمر صحفي "كنت في المستشفى في الليلة الماضية حيث أعتقد أنه كان هناك بالفعل عدد قليل من مرضى فيروس كورونا، وصافحت الجميع، ستسعدون بمعرفة ذلك، واستمررت في المصافحة". في تصريح رأى فيه منتقدون "استخفافا وفكاهة" في غير محلهما.

12 مارس/آذار
جونسون يصدم مواطنيه قائلا إنه يتعين على العائلات الاستعداد لفقد أحبائها لأن فيروس كورونا سيواصل الانتشار في البلاد على مدار الأشهر المقبلة، حاصدا المزيد من الأرواح.

وأضاف جونسون "سأكون صريحا معكم، ومع كل الشعب البريطاني؛ عائلات كثيرة، كثيرة جدا ستفقد أحباءها قبل أن يحين وقتهم".

13 مارس/آذار
صرح كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية السير باتريك فالانس بأنه كلما توسعت دائرة انتشار الوباء فستصبح هناك مناعة وطنية أوسع لأجيال، رغم ما قد يرافق ذلك من خسائر في الأرواح.

وألمح فالانس إلى احتمال ترك فيروس كورونا يصيب نحو أربعين مليونا من سكان المملكة المتحدة، أي 60% من السكان، للوصول إلى "مناعة القطيع"، وهي نظرية معروفة تقول بمواجهة أي فيروس بالفيروس ذاته "داوها بالتي هي الداء".

ووُصِف نهج المملكة المتحدة وقتها للتعامل مع وباء كورونا بالتراخي مقارنة مع البلدان الأخرى، إذ فرضت فرنسا وإسبانيا وإيطاليا إجراءات لتقييد حركة عشرات الملايين، وأمرت أستراليا جميع الأجانب القادمين إلى البلاد بالالتزام بالعزل الذاتي. وقاوم جونسون وقتها ضغوطا لتطبيق بعض الإجراءات الصارمة المطبقة في بلدان أوروبية أخرى لإبطاء انتشار الفيروس.

مناعة القطيع تحدث انتقادات واسعة
خلال الأيام التالية أثارت تصريحات كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية عن مناعة القطيع انتقادات شديدة، والتي ترتكز على حقيقة محاربة جسم الإنسان للأمراض المعدية عبر جهاز المناعة، فعندما يتعرض جهاز المناعة لعدو جديد -فيروس مثلا- فإنه يتعامل معه، وإذا عاش الشخص وتعافى فإن جهاز المناعة يطور ذاكرة لهذا الغازي، بحيث إذا تعرض للفيروس مستقبلا فيمكنه محاربته بسهولة.

هذه هي الطريقة التي تعمل بها اللقاحات، والتي تقوم بخلق ذاكرة للمرض من دون أن يصاب الجسم حقيقة بالمرض، إذ يكون اللقاح مكونا من فيروسات ميتة أو ضعيفة، لكنها كافية لتكوين ذاكرة لدى جهاز المناعة، من دون إصابة الجسم بالمرض.

مناعة القطيع هي إذا كان لديك مرض جديد مثل كوفيد-19، وليس له لقاح، فعندها سينتشر بين السكان، ولكن إذا طور عدد كاف من الأشخاص ذاكرة مناعية، فسيتوقف المرض عن الانتشار، حتى لو لم يكن جميع السكان قد طوروا ذاكرة مناعية.

وجاءت الانتقادات في وقت أظهرت فيه الحسابات أن تطبيع مناعة القطيع في المملكة المتحدة يتطلب أن تصاب نسبة كبيرة من السكان بين 60 و70%، ثم تتعافي من المرض؛ يعني هذا إصابة أكثر من 47 مليون شخص، ووفاة أكثر من مليون شخص.

إذ شككت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس في جدوى إستراتيجية بريطانيا لمواجهة انتشار فيروس كورونا، والقائمة على "مناعة القطيع".

وأوضحت هاريس أنه لا تتوفر معرفة علمية كافية بفيروس كورونا، لأنه مستجد وليس معلوما بعد كيف يتفاعل من الناحية المناعية، مبينة أن كل فيروس له طريقة مختلفة في التعامل مع المناعة التي تتطور لمواجهته. وطالبت هاريس بالتركيز على الأفعال بدل النظريات في مواجهة الموقف الحالي.

كما انتقدت وقتها مجموعة من 229 عالما من جامعات المملكة المتحدة نهج الحكومة البريطانية، وقالت إنه سيضع خدمات الصحة الوطنية تحت ضغط إضافي، ويخاطر بعدد من الأرواح أكثر من اللازم.

في وقت لاحق أعرب رئيس ديوان المستشارية الألمانية في برلين، هيلغه براون، عن تشككه إزاء توصيات بعض الخبراء بمواجهة جائحة كورونا عبر الثقة فيما يسمى بـ"مناعة القطيع"، وقال "هذه مجرد نظرية، لكن في الواقع العملي الأمر مختلف إلى حد ما".

23 مارس/آذار
فرضت بريطانيا الإغلاق التام ولكن بعد تردد، ولكنها أبدت مرونة في خروج الناس من منازلهم خاصة لممارسة الرياضة. ولا تزال متنزهات لندن مفتوحة وتبدو في بعض الأحيان مزدحمة مع تحسن الطقس.

27 مارس/أذار
كشف جونسون أن نتيجة فحصه لفيروس كورونا المستجد كانت إيجابية، وقالت داونينغ ستريت إن جونسون لاحظ أعراضا خفيفة بعد ظهر اليوم السابق وتلقى نتائج الاختبار في منتصف الليل. ويبلغ جونسون من العمر 55 عاما ولا يعاني من أي مشاكل صحية أخرى.

وقال جونسون في رسالة فيديو على تويتر "أنا أعمل من المنزل وعزلت نفسي وهذا هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به".

30 مارس/آذار
داونينغ ستريت تؤكد أن دومينيك كامينغز، كبير مستشاري جونسون، عزل نفسه بعد ظهور أعراض شبيهة بأعراض كورونا.

2 أبريل/نيسان
خرج جونسون من العزلة الذاتية لفترة قصيرة من باب سكنه، للانضمام إلى التصفيق الجماعي للعاملين الرئيسيين على الخطوط الأمامية لمواجهة وباء فيروس كورونا.

وقال جونسون لمن اجتمعوا في الخارج "لا يسمح لي بالخروج حقا، أنا فقط أقف هنا".

5 أبريل/نيسان
قالت داونينغ ستريت إن جونسون دخل إلى أحد مستشفيات خدمة الصحة الوطنية بلندن لإجراء الاختبارات باعتباره "خطوة احترازية" مع استمرار أعراض فيروس كورونا. لاحقا تدهور وضع جونسون ونقل إلى العناية المركزة في مستشفى سانت توماس.

8 أبريل/نيسان
جونسون ما زال في قسم العناية المركزة، وأكدت لندن أنه في وضع "مستقر" و"معنوياته عالية"، في وقت يتزود فيه بالأكسجين في قسم العناية المركزة.

وأعلن وزير الدولة للشؤون الصحية في بريطانيا إدوارد أرغار لقناة سكاي نيوز الأربعاء أن رئيس "الوزراء في حالة مستقرة" و"معنوياته جيدة" بعد أن أمضى ليلتين في العناية المركزة.

وأضاف أن جونسون "تلقى في السابق دعما بالأكسجين لكن لم يخضع لجهاز تنفس اصطناعي".

وذكرت صحيفة تايمز أن الحرارة المستمرة التي استدعت دخوله مستشفى سانت توماس في لندن، بعد عشرة أيام من إعلان إصابته بفيروس كورونا في 27 مارس/آذار، قد انخفضت.

حس الفكاهة
قصة جونسون يراها البعض دليلا إضافيا على فشل مزاعم كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية السير باتريك فالانس، حول مناعة القطيع التي لم تتمكن من حماية رئيس وزراء بريطانيا من فيروس كورونا.

قد يكون لافتا تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثلاثاء، الذي تمنى الشفاء العاجل لجونسون، وقال في برقية وجهت إليه ونقلها بيان صادر عن الكرملين "أنا واثق من أن طاقتكم وتفاؤلكم وحسكم الفكاهي ستساعدكم في التغلب على المرض".

وأضاف "أرغب في أن أعبر لكم عن دعمي الخالص في هذه اللحظة الصعبة بالنسبة إليكم".

المصدر : الجزيرة + دويتشه فيلله + مواقع إلكترونية + وكالات

حول هذه القصة

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة