الطواقم الطبية الفلسطينية تتجند لمواجهة كورونا في القدس

عدد من المسنين مع طاقم الممرضين بمستشفى المطلع (الجزيرة)
عدد من المسنين مع طاقم الممرضين بمستشفى المطلع (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة

منذ أيام حُرمت فنية المختبر الطبي في مستشفى المطلع غادة دعامسة من تفقد طفليها سارة وعلي في سريرهما لتطبع على جبينهما قبلة قبل مغادرة منزلها في بلدة بيت ساحور جنوب القدس، لتقوم بواجبها في المستشفى المقدسي الذي تعمل به منذ أربعة أعوام.

تشعر غادة أن روحها تذبل ببعدها عنهما خاصة عند تلقي اتصالاتهما اليومية للسؤال عن مكان وجودها وموعد عودتها للقائهما.

هذا ليس حالها وحدها بل كافة الطواقم الطبية التي تحمل هوية الضفة الغربية الخضراء واضطرت للمكوث في فنادق ومستشفيات القدس للقيام بواجبها الطبي، والعمل ضمن خطة طوارئ وضعتها كل مستشفى على حدة.

ووضع مستشفى المطلع خطة طوارئ تقسم كافة موظفي الأقسام إلى قسمين، الأول يواصل العمل لمدة أسبوعين، ويخضع القسم الآخر في منازلهم للحجر الصحي، ثم يتبادلون الأدوار. وهكذا حتى انتهاء أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد لضمان وجود طاقم معافى يقوم بمهمته في حال أصيب أحد أفراد الطاقم المناوب واضطرت المستشفى لحجر من كانوا معه على رأس عملهم.

‪تدرك غادة أهمية دورها المهني لخدمة الوطن والمواطنين في هذه الأزمة‬ (الجزيرة)

قلق.. ارتياح
غادة ورغم قسوة بعدها عن طفليها اللذين لم يتجاوزا سن الخامسة بعد، فإنها تؤمن بأهمية دورها المهني في هذه المرحلة لخدمة الوطن والمواطنين.

تحدثت بارتياح شديد للجزيرة نت عن التجهيزات والإجراءات الوقائية التي اتخذها مستشفى المطلع لمواجهة كورونا، وواصلت حديثها بفخر عن قرب انطلاق العمل بالمختبر الذي سيختص بالفحوصات الخاصة بالكشف عن الفيروس الفتاك.

لكنها أجهشت باكية بمجرد التطرق لمشاعرها كأم في ظل بعدها القسري عن طفليها وزوجها القابعين في الحجر المنزلي بمحافظة بيت لحم، وقالت "نتواصل مرارا كل يوم ويقولان لي ماما ارجعي.. أين أنت؟". 

لم نسمع بعد هذه الكلمات سوى بكائها، ثم تمالكت نفسها وقالت إنها المرة الأولى التي تبتعد بها عن طفليها لفترة طويلة خاصة أنهما في سن يحتاجان به لرعايتها.

وكما تضيء غادة لياليها الحالكة بصور طفليها، يسهر محمد قباجة رئيس التمريض في قسم الأطفال بالمستشفى على هاتفه متنقلا بين ألمانيا ومدينة الخليل جنوب الضفة الغربية وبين سجلات مرضاه في القسم.

يعمل قباجة ممرضا في القدس منذ عشرين عاما، وانطلق في عمله خلال اندلاع الانتفاضة الثانية وعانى آنذاك من الاجتياحات والحواجز العسكرية التي أرغمته على المكوث قسرا في القدس أيضا، لكنه يقول إن ما يختلف الآن أنه يمكث في المدينة المقدسة مع قلق وخوف كبيرين بسبب الفيروس.

يواظب على ممارسة مهامه اليومية وذهنه مشتت مع أسرته ووالديه المسنين في قرية ترقوميا بمحافظة الخليل مسقط رأسه، ومع نجله عبد الهادي في ألمانيا الذي يخضع للحجر الصحي بسكنه الجامعي هناك بمدينة روستوك.

ويقول "زوجتي ممرضة أيضا وهذا يشعرني بالارتياح نوعا ما، لكنها اشتكت قبل أيام من صداع شديد وتعاني طفلتي الصغرى من تقيؤ متواصل وهذا أثر على نفسيتي بشكل عميق لأنني مكبل ولا يمكنني الخروج من المستشفى الذي بات سجنا كبيرا لا يمكننا الخروج من أسواره".

‪قباجة يعمل مع مرضى السرطان والفشل الكلوي من فئة الأطفال والمعروفين بمناعتهم المتدنية‬ (الجزيرة)

الممرض الأب
أسهب الممرض المخضرم بالحديث عن تفاصيل حياة الطاقم الطبي اليومية بالمستشفى، وتطرق لخطورة اقتحام الفيروس القسم الذي يعمل به بالتحديد كونه يعالج مرضى السرطان والفشل الكلوي من فئة الأطفال والمعروفين بمناعتهم المتدنية.

أثناء حديثه لم يكن قباجة قادرا على الفصل الكامل بين مشاعره كأب وممرض، وبدا هادئا مستعدا للإجابة عن استفسارات الأطفال ومرافقيهم المسنين، ومنهمكا أيضا في التنسيق لعبور آخرين الحواجز العسكرية التي زادت تعقيداتها بعد تفشي فيروس كورونا في البلاد.

بدوره، وجد علي سباتين رئيس قسم الأمراض المعدية والسارية في مستشفى المطلع نفسه مضطرا أيضا للبقاء في القدس والمكوث لفترة قد تمتد لشهور.

وقال سباتين المنحدر من قرية حوسان في محافظة بيت لحم -للجزيرة نت- إن مستشفيات القدس تواجه تحديات كبيرة في هذه المرحلة أبرزها أن معظم طواقمها الطبية وموظفيها يأتون من الضفة لا من القدس.

إجراءات صارمة اتخذتها لجنة الطوارئ في المستشفى وعلى رأسها الطبيب سباتين لحماية المرضى والموظفين من الفيروس، وضحى الجميع بوجوده بين عائلته في هذه الظروف مقابل الوجود على رأس عمله الإنساني.

ويقول سباتين "مع بداية ظهور حالات الإصابة في الفيروس ببيت لحم كان من الصعب علينا تحديد مسار الإصابات ومن المخالط لها، لذلك وضعنا جميع موظفي بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور بحجر صحي منزلي لمدة أسبوعينن والآن أتوا للقدس للقيام بواجبهم وسيمكثون هنا حسب المدة التي حددت لكل منهم".

‪سباتين: مستشفيات القدس تواجه تحديات أبرزها أن معظم طواقمها يأتون من الضفة‬ (الجزيرة)

ويدرك المسؤولية الملقاة على عاتقه خاصة أنه وطبيب آخر فقط من أنهيا تخصصهما في الأمراض المعدية والسارية في الضفة، فيقول "أتحمل عبئا ذهنيا وبدنيا ومهنيا كبيرا الآن كي يكون كل موظف بالمستشفى بأمان وليتلقى كافة المرضى الخدمات الطبية التي اعتادوا عليها قبل تفشي الفيروس".

عند سؤاله عن أكثر ما يؤرقه حاليا يصمت للحظات ثم يقول "الخوف من المستقبل.. نحن كأطباء نواكب الحدث لحظة بلحظة ولدينا خطط مستقبلية، لكن خوفي نابع من عدم التزام كل المواطنين بإجراءات الوقاية من الفيروس وهذا ينبئ بعواقب وخيمة قد تؤدي لانهيار المنظومة الصحية بأكملها".

زين الدين وليان وفاطمة ومحمد أطفاله الذين طال انتظارهم للقائه، يقول إنهم وزوجته وعائلته يدعمونه نفسيا لمواجهة هذه المرحلة الحساسة في رحلته المهنية، وختم حديثه بقوله "ابني محمد الذي لم يكمل عامه الثاني يعد أكثرهم تعلقا بي.. تخبرني زوجتي أنه يستيقظ كل صباح ويبدأ رحلته في البحث عني بأرجاء المنزل وهو يناديني.. هذا يجعلني أتأثر لكنني أؤمن أن الهدف الذي أعمل لأجله أسمى وأعظم.. سأعوض أطفالي عن كل دقيقة حرموا من وجودي إلى جانبهم بها بعد انتهاء حقبة هذا الفيروس المستجد".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة