هل فيروس كورونا كوفيد-19 عنصري؟

الدكتور محمد أمين الأغبر*

مع نهاية 2019، كانت البشرية على موعد مع عدوى غريبة بدأت في سوق للحيوانات البرية في مدينة ووهان بالصين، ثم انتشرت سريعا في كل مكان، لتؤثر على عالمنا، أكلنا وشربنا وسفرنا وعاداتنا الاجتماعية، كما أثرت على الاقتصاد العالمي برمته. وحيث إن عدّاد المصابين والقتلى من هذه الجائحة ما زال يدور، فإن الآثار السلبية المترتبة على المدى البعيد ما زالت قيد تنبؤات.

كان من الملاحظ مع أوائل الدراسات المتخصصة بأعراض المرض أن 80% من المصابين به عانوا من أعراض خفيفة للإنفلونزا مصحوبة بحرارة وسعال جاف، بينما أظهر آخرون أعراضا خفيفة لا تكاد تذكر.

في المقابل، سبب المرض صعوبات بالتنفس لحوالي 14% من المصابين، استدعت وضعهم لأيام في العناية الطبية المركزة، وأصيب الكثير منهم بالتهابات بكتيرية سببتها الجروح الغائرة من نوبات السعال، أصابت البعض بداء الرئة (Pneumonia) بينما توفي أكثر من 2% أثناء صراعهم مع المرض.

ومع تحديث الصين العدد الفعلي لمن قضوا بهذه الجائحة، اتضح أن الفيروس قد قضى على 5.6% من المصابين به فيها، بينما تقترب أرقام الضحايا بالعالم أجمع من 7% من مجموع المصابين، ويرقد في حالة حرجة حتى اللحظة أكثر من 57 ألفا مما مجموعه ثلاثة ملايين مصاب، وفقا لموقع ورلد ميتيرز (worldmeters).

لقد كانت المهمة الكبيرة الملقاة على عاتق العلماء هي: معرفة، وتشخيص، ودراسة هذا الفيروس، في سباق مع الزمن لتطوير لقاحات وعلاجات فعّالة تحد من انتشاره وتنقذ المصابين به.

‪الأغبر:  أظهرت دراسة نشرت في مجلة الطبيعة المرموقة أن كوفيد-19 يدخل الخلايا عن طريق الارتباط بمستقبل بروتيني على سطح الخلايا يسمى الإنزيم المحول لأنجيوستاتين 2‬ (الجزيرة)

أطلق على هذا الفيروس اسم "سارس كوف 2" وسمي المرض الذي يسببه كوفيد-19، وهو ينتمي إلى عائلة من الفيروسات التاجية (corona virus) أو ما يتعارف عليه بين الناس باسم كورونا، وينتقل من شخص لآخر عن طريق العدوى المباشرة من المجاري التنفسية شبها بأقرانه فيروسات الإنفلونزا.

وفي خضم السعي الحثيث لمعرفة آلية دخول الفيروس لخلايا الإنسان، أظهرت دراسة نشرت في مجلة الطبيعة المرموقة أن كوفيد-19 يدخل الخلايا عن طريق الارتباط بمستقبل بروتيني على سطح الخلايا يسمى الإنزيم المحول لأنجيوستاتين2 (ACE2)، وهو نفس مدخل فيروس سارس الذي ينتمي لنفس عائلة الفيروسات التاجية والذي تفشى عام 2000.

هل تؤثر كمية الإنزيم المحول لأنجيوستاتين2 في الأعراض؟
الإنزيم المحول لأنجيوستاتين2 (ACE2) يعد من البروتينات المهمة جدا في جسم الإنسان، حيث يقوم بعمليات تحويلية مهمة في تضييق أو توسيع الأوعية الدموية للتحكم بضغط الدم في عدة مواضع بالجسم.

ونظرا لأهميته، يتم إنتاج هذا الإنزيم باستمرار من عدد كبير من الخلايا في مختلف الأعضاء في الجسم التي تشمل القلب والكليتين والأمعاء.

وفي دراسة حديثة، قام باحثون من جامعة سيشوان في الصين بدراسة أنواع وتوزيع الخلايا الأكثر إنتاجا لهذا الإنزيم في التجويف الفموي وحتى الرئتين، وكذلك في كل الخلايا المبطنة في الجسم، وذلك للإجابة عن سؤال ربما يربط بين زيادة إنتاج هذا المستقبل البروتيني وقدرة الفيروسات على مهاجمة الخلايا.

وبعد دراسة التمثيل الجيني لهذا الإنزيم، وجد الباحثون أن الخلايا المبطنة للقولون تنتج كميات كبيرة من هذا البروتين، كذلك ينتشر في كثير من الخلايا المبطنة للأعضاء الحيوية مثل القلب والكليتين، كما أن التمثيل الجيني عالٍ في الرئتين والمريء واللسان.

وقبل القفز لأي استنتاج، لا توجد دراسة تشير إلى أي ارتباط بين توزيع التمثيل الجيني للإنزيم (ACE2) وقدرة الفيروس على الإصابة، ولكنها تشير بشكل منطقي إلى أن كثيرا من خلايا الجسم قد تكون حاضنة لهذا الفيروس بدرجات مختلفة، وهذا يدعم دراسة قديمة لعلماء من جامعة أيوا كانوا قد درسوا فيروس سارس في 2005، ووجدوا أن قدرته على مهاجمة الخلايا الطلائية في المجاري التنفسية تزيد بزيادة تمايز الخلايا التي تختلف بمقدار إنتاج هذا الإنزيم.

وهذا أيضا ما خلص له باحثون في دراسة حديثة من أن الفيروس يصيب كل الأغشية المبطنة وهذا ما يزيد من تفاقم أعراض هذا المرض في كثير من المصابين، وأن انتشار الفيروس في كثير من الأعضاء يزيد خطر الإصابة بالجلطات والانسدادات الرئوية.

هذه المعلومات وغيرها نبهت الباحثين إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار أن مرضى الكلى مثلا قد يحتاجون عناية إضافية، لافتراض أن الإصابة بكوفيد-19 قد تؤثر مباشرة في كفاءة عمل الكليتين.

اختلاف
عودة إلى السؤال المهم الآن، هل اختلاف كمية الإنزيم (ACE2) على سطح الخلايا مرتبط بقلة العدوى بين البشر أو بأعراض المرض؟ بمعنى آخر: هل هناك بشر محصنون طبيعيا ضد فيروس كورونا كوفيد-19 لأن لديهم كمية أقل من هذا الإنزيم؟

هذ الاحتمال مستبعد من عدة نواح: أولا، لأن هذا البروتين مهم جدا في عمل كثير من الأعضاء الحيوية وينتج في عدد مهول من الخلايا، ولو قلّت نسبته عن حد معين لأدى ذلك لمشاكل وظيفية كبرى في جسم الإنسان.

فمثلا، الفئران المخبرية المهندسة جينيا لِتفقد القدرة على إنتاج (ACE2)، عانت بقوة من مشاكل قاتلة في ضغط الدم وعضلة القلب. كذلك أثبتت دراسة أخرى على الفئران أن مجرد نقص هذا الإنزيم أدى إلى مشاكل في الخلايا المبطنة للأمعاء، وزيادة الالتهابات المعوية، وانهيار الرئتين.

ثانيا: مقدار العدوى يحدد بعدد الفيروسات القادرة على إنشائها (viral load). حتى الآن، لم يتمكن العلماء من تحديد العدد الفعلي للفيروسات المطلوبة لإنشاء العدوى، ولكن قياسا لفيروسات أخرى، تنشأ العدوى من بضعة مئات من الفيروسات، ويكفي إصابة خلية واحدة فقط لبدء إنتاج عدد لا نهائي من الفيروسات تفتك بالخلايا المجاورة والتي تليها، وبما أن (ACE2) ينتشر في كثير من الأعضاء الحيوية بالجسم، فغالبا لن يكون هناك مفاضلة في انتشاره.

ثالثا: هناك فعلا دراسة منشورة عام 2004 أجابت سؤالا مشابها لما يحدث عند الإصابة بفيروس سارس، وخلصت إلى أنه لا علاقة بين ما يسمى بتعدد الشكل الجيني (gene polymorphism) وشدة عوارض الإصابة بفيروس سارس.

هذه التعددات في الشكل الجيني قد تنشأ عن تغير واحد في القواعد البنائية للمادة الوراثية (single nucleotide polymorphism ”SNP”)، وهي تغييرات تنشأ بين البشر عرقيا أو وراثيا على نفس شكل الجين وليس على المنتج البروتيني.

رابعا: في مقال نشر على "بي بي سي فيوتشر" (BBC Future) بقلم كريستين رو، تبين أن فيروس كورونا كوفيد-19 قد أصاب وقتل من السود أكثر مما أصاب وقتل من البيض في تكساس وفي بريطانيا.

ولكنه لم يختر ضحاياه بناء على لونهم، بل كان استهدافه للفئة الأكثر تهميشا والأكثر فقرا، وربما الأقل حصولا على رعاية طبية.

وأخيرا، بمراجعتي لقواعد بيانات الأبحاث العلمية، لم أجد أي بحث منشور في دورية علمية معتمدة للأبحاث العلمية المحكمة، يتكلم عن أي صلة بين تعدد الشكل الجيني والإصابة بفيروس كورونا كوفيد-19، أو مقدار أو شدة الإصابة.

لذلك فالإجابة حاليا وحتى خروج أبحاث أخرى تنفي أو تؤكد، هي: أن فيروس كورونا كوفيد-19 لا يفرق بين عرق وآخر، هو قاتل غير رحيم لأي فئة ضعيفة مناعيا أو لم تلق عناية طبية ملائمة، وفيما عدا ذلك فإن كل البشرية أمامه سواء.

* باحث في مجال المناعة

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

جهود مكثفة على مستوى العالم لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وفي عالمنا العربي والإسلامي تتواصل هذه الجهود، لا سيما في شهر رمضان المبارك.

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة