المرض لا يعني الموت.. مبادرة من مرضى السرطان للأصحاء بالأردن

مبادرة روح تهدف لتغيير الصورة النمطيّة حول السرطان والتصاقه بالموت(مصدر الصور من المبادرة نفسها.)
مبادرة روح تهدف لتغيير الصورة النمطية عن السرطان والتصاقه بالموت (الصور من المبادرة)

همام العسعس-عمان

"السرطان لا يرتبط بالموت مهما كانت شدته"، هكذا وصفت مؤسسة مبادرة إرادة روح، ابتسام الجدوع (28 عاما) مرضى السرطان، إذ انطلقت المبادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، مستهدفة من أصيبوا بالسرطان لدعمهم نفسيا وتوعية المجتمع بأن الاهتمام المبالغ فيه ونظرات الشفقة ليست وسيلة لمساعدتهم.

ويحتفل العالم باليوم العالمي للسرطان في 4 فبراير/شباط من كل سنة، لإظهار الدعم لمرضى السرطان بطريقة إيجابية وملهمة.

وأكدت الجدوع للجزيرة نت، أن المبادرة لا تتبع لأي جهة، فهي ترفض فكرة تسويق المرضى كسلع لاستغلالها لصالح العديد من الجهات والأشخاص، والمريض ليس عالة، لديه مستقبله وطموحه، ومن هنا انبثقت فكرة تغيير الصورة النمطية حول السرطان والتصاقه بالموت، وتنقلت المبادرة بين المحافظات، تخاطب المجتمع تارة والمرضى تارة أخرى، لتخبرهم "لا تخجل من مرضك".

حاربت الجدوع السرطان 15 عاما، ودأبت خلالها على تنويع فعاليات المبادرة من خلال الأمثلة الحية، إذ تحدث المرضى عن تجاربهم، وقدموا مسرحيات قصيرة للإشارة إلى الطرق السليمة للتعامل معهم، مما جعلها ملهمة لآخرين اعترفوا بأنهم ما كانوا ليواجهوا المرض لولا مبادرتها.

وآمنت بأن "المرض في العقل لا الجسم"، فالمرضى لديهم قوة تمكنهم من اقتناص الفرص، واتصلت بمختلف المؤسسات الحكومية والخاصة، وطافت بالجامعات والمدارس، لغرس فكرتها.

‪متطوعو مبادرة إرادة روح تتوسطهم مؤسسة المبادرة ابتسام الجدوع تحمل لوحة‬ (مصدر الصور من المبادرة)‪متطوعو مبادرة إرادة روح تتوسطهم مؤسسة المبادرة ابتسام الجدوع تحمل لوحة‬ (مصدر الصور من المبادرة)

تحديات
وعانت الجدوع بسبب مرض السرطان، إذ فصلت من عملها بعد تغيبها لإجرائها عملية جراحية، ومرت بمراحل ثلاث، المدرسة والجامعة والعمل، وكل منها ترك أثرا لديها، حاربت مرضها وهي طفلة في الـ12 من عمرها لتهزمه في ربيعها الـ22.

وتقول إن التعامل السلبي والشفقة هما اللذان يقتلان المريض ويحدان من عزيمته وإصراره على النجاة، على المجتمع إنقاذ المرضى من خلال فهمهم لطريقة التعامل معهم.

وفي تصريحات خاصة للجزيرة نت، لفت وزير الصحة الأردني سعد جابر إلى إغلاق الوزارة بعض المصانع نتيجة إصدارها لغازات مسرطنة، وإبعاد أخرى عن المناطق السكنية، بالإضافة للحملات التوعوية، بالتعاون مع وزارة البيئة، لتخفيف خطر انبعاث الغازات السامة المسببة لمرض السرطان.

وأكد الوزير أن هناك انخفاضا ملحوظا بنسب المدخنين، خاصة مع إجراءات الحكومة للعام الحالي المصاحبة من خلال حملات شديدة على المراكز غير المرخصة التي تقدم "الأرجيلة"، والدروس التوعوية للأطفال في المدارس عن أخطار التدخين، بالإضافة لرفع الأسعار والضرائب عليها ومنع التهريب.

وشدد الوزير على مكانة الأردن بصفته من الدول القليلة التي تؤمن مرضى السرطان عن طريق تحمل الدولة لنفقات علاجهم كاملة، وتعتمد المملكة على مستشفى الملك عبد الله شمالي المملكة، ومركز الحسين للسرطان المتمركز وسطها، وآخر تنوي الحكومة تأسيسه في جنوبها.

ولا تنفك الحكومة عن متابعة سياسة منظمة الصحة العالمية بدراسة العوامل المسببة للسرطان والتقليل منها، إذ تبحث المؤسسة العامة للغذاء والدواء بالنشرات الدولية لتعثر على الأغذية المسرطنة وتمنع دخولها للأردن، مما دفع الوزير للاعتقاد بأن المملكة متطورة على مستوى المنطقة بهذا الشأن.

واستند جابر على الحملات التوعوية المتعلقة بسرطان الثدي للنساء، والقولون للرجال، وعلاج فرق العناية التلطيفية كجزء من العلاج النفسي ومتابعة حالات المرضى تزامنا مع العلاج الكيميائي.

التدخين والأرجيلة أكبر مسبب للمرض
شدد الرئيس التنفيذي لمركز الحسين للسرطان عاصم منصور في حديثه للجزيرة نت، على التطور الطبي في علاج المرضى، إذ إن 7 من كل 10 مرضى يعيشون خمس سنوات بعد التشخيص، و 5 من كل 10 يعيشون عشر سنوات بعده، و"هذه أرقام ممتازة".

وقال إن نسب المرضى لم تتغير بشكل كبير، فهناك 87 إصابة جديدة لكل 100 ألف نسمة في الأردن، في حين شخصت 5999 حالة بين الأردنيين، و2002 بين غير الأردنيين، من ضمنهم المسافرون للسياحة العلاجية واللاجئون، وهناك زيادة غير ملحوظة بين كل سنة وما قبلها، بيد أنها تتناسب مع زيادة أعداد السكان، مما يدفع منصور إلى التوقع بزيادة ملموسة خلال السنوات العشر المقبلة.

وأرجع منصور توقعه لسببين، الأول زيادة متوسط الأعمار مما يهيئ بيئة خصبة للسرطان الذي يصيب الأعمار الكبيرة، فهناك تناسب طردي بين العمر ونسبة الإصابة، والثاني ارتفاع عوامل الخطورة المؤدية للمرض، وعلى رأسها التدخين، إذ إن 60% من الأردنيين مدخنون، و80% من أسباب الإصابة بسرطان الرئة الذي يعد الأهم بين أنواع السرطانات، يرجع للتدخين، في حين أن وفاة واحدة بين كل 6 وفيات من المرضى نتيجة سرطان الرئة.

ونوه إلى شمول التدخين والتحذيرات المتعلقة به للأرجيلة التي تعد أخطر من السجائر، إذ تشير الدراسات إلى أن كل رأس أرجيلة يساوي 60 سيجارة، بالإضافة إلى أن مدخنيها يضطرون للجلوس بأماكن مغلقة، مما يجعلهم معرضين لاستنشاق روائح "الأراجيل" الأخرى، ورغم أن للتبغ مساوئ كثيرة غير أنه معروف المكونات، بعكس "معسل الأرجيلة" مجهولة المصدر.

السيجارة الإلكترونية
وقارن منصور بين السيجارتين الإلكترونية والعادية مستندا على مدرستين، الأميركية والبريطانية، إذ ترى الأولى أن خطرهما متشابه، ومعظم الصغار من مدخني الإلكترونية يجدونها بابا للسجائر العادية، في الوقت الذي تتبنى فيه المدرسة الأخرى الرأي القائل إن الإلكترونية أقل ضررا، ويمكن استخدامها بدل العادية أو للعلاج التدريجي من التدخين، مشيرا إلى ميله للرأي الأول.

واستبشر بشفاء المرضى بعد تحسن معدل الوفاة بسببه نحو 30% خلال عقدين، مؤكدا أن التطور الحاصل خلال آخر خمس سنوات يفوق ما حققه العلم خلال ما سبقه من عقود، "لا أقول إنه مرض بسيط، لكن يمكن التعامل معه وعلاجه".

الدعم النفسي كعلاج
وانتقل الطبيب للحديث عن تعقيدات السرطان، الذي يحتاج لمتعددي الاختصاص من قبل أطباء ومعالجين نفسيين وممرضين وباحثين اجتماعيين، حتى يتمكنوا من معالجة المريض.

‪المبادرة تنقلت بين المحافظات‬ (الصورة من المبادرة)‪المبادرة تنقلت بين المحافظات‬ (الصورة من المبادرة)

ولفت إلى ضرورة العلاج النفسي بوصفه جزءا مهما، إذ يحتاج معظم المرضى إليه، وهو ما عمل عليه المركز من خلال تقييمهم ضمن برنامج نفسي واجتماعي وإرسال من يحتاج منهم لمعالج نفسي.

وقال منصور إنه لا يمكن للمريض تقبل العلاج وسط تعب نفسي، وإهماله لجوانب الغذاء والرياضة والحياة، ناتجة عن حالات الاكتئاب وعدم الرضى، ما يدفع الجسم لعدم تحمل العلاج، بالإضافة إلى أن الجهاز المناعي يحتاج للتقوية حتى يتمكن من محاربة الخلايا الدخيلة، ولا يعمل ما لم تكن الحالة النفسية جيدة.

وأضاف أن المجتمع بحاجة لتحسين نظرته حول المرضى دون الحكم عليهم بالإعدام، فالطرق القديمة ما عادت تنفع لإيصال الرسائل، وهناك علم قائم بحد ذاته لمحاربة الأساطير حول السرطان، وإعطاء الأمثلة الإيجابية عن المرضى الذين عاشوا ودرسوا أو تزوجوا.

واستقبل المركز نحو 6000 حالة سرطان جديدة، تتضمن 4600 أردني و 1400 من غير الأردنيين، وعلق منصور على هذا بضرورة إيجاد فروع في الشمال والجنوب بإدارة الفرع الرئيسي والمساعدة باتخاذ القرارات بشأن المرضى.

المصدر : الجزيرة