الاحتكار وانقسام النقابة.. هذه أسباب أزمة الدواء والصيدلة بمصر

أزمة نقابة الصيادلة انعكست على أزمة الدواء بجانب أسباب أخرى (الجزيرة)
أزمة نقابة الصيادلة انعكست على أزمة الدواء بجانب أسباب أخرى (الجزيرة)

 عبد الله حامد-القاهرة

ظلت مريم تبحث عن دواء للذئبة الحمراء لابنها طوال شهور حتى عثرت عليه بوساطة "صيدلي طيب" على حد وصفها.

وتبدي في حديثها للجزيرة نت اعتقادا جازما بأن الاختفاء المريب لبعض الأدوية وارتفاع أسعارها -إن وجدت- يحتاج تدخلا جادا وحاسما من الدولة.

ويرى متابعون لسوق الدواء أنه لا يمكن الفصل بين ما يجري من ارتفاع للأسعار واختفاء بعض الأنواع، وما شهدته الأيام الماضية من حالة حرب بين نقابة الصيادلة وسلاسل صيدليات كبرى، علاوة على تعقيد أزمات الصيادلة أنفسهم، والبالغ عددهم نحو ربع مليون حسب إحصائيات رسمية.

وكانت نقابة الصيادلة (الموضوعة تحت الحراسة القضائية) قد ألغت عضوية اثنين من كبار أصحاب سلاسل الصيدليات هما أحمد العزبي وحاتم رشدي لمخالفتهما القوانين عبر استخدام أسماء آخرين لفتح المزيد من الفروع، وهو ما رد عليه الاثنان بأن هناك استهدافا شخصيا لهما.

واعتبر العزبي -الذي يملك سلسلة الصيدليات الشهيرة ويتولى أيضا رئاسة غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات- أن الأزمة تعود إلى خلافات بالنقابة فترة سيطرة تيار الإخوان المسلمين عليها، وهو ما اعتبره البعض نوعا من مغازلة السلطة الحالية.


شركات حكومية
يرى عادل (صيدلي منذ نحو 17 عاما) أن هناك مافيا تدير سوق الأدوية، وتدهس في طريقها الصيدلي وبالتبعية المريض، مضيفا أن الوزارة أعجز من أن تواجهها، على حد تعبيره.

ويفسر إخفاء بعض الأصناف في مخازن الكبار بأنه سياسة ممنهجة لمضاعفة الأرباح، مضيفا "فهم يحصلون على خصم ضخم على أسعار دواء ما من المنتج، وحينما يعلمون قبل الجميع بقرب رفع سعر هذا الدواء يقومون بإخفائه في المخازن لبيعه بالسعر الجديد".

أما صفوت (صيدلي تخرج حديثا) فيرى أن حل معضلة سوق الدواء لا يكون بدخول جهة سيادية للسوق بسلاسل 19011 والتي ستفاقم الأزمة، بل عبر مساعدة الدولة لشركات الأدوية الحكومية لتوفير الأدوية كما كانت من قبل بسعر منافس.

والسلسلة الجديدة المثيرة للجدل 19011 افتتحت خلال أقل من عام نحو 113 فرعا، وهو ما لم تبلغه أقدم السلاسل، مما يشير إلى قوة ملاكها ونفوذهم، وهي إضافة لأزمات الصيادلة، بتعبير الصيدلي (صفوت).

ومن جانبه أصدر المتحدث العسكري بيانا نفى فيه امتلاك الجيش لهذه السلسلة التي يقول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي إن اسمها تم اختياره على نفس يوم ميلاد رئيس الجمهورية يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني.

وسبق أن تقدم معنيون بشؤون الدواء ببلاغات للنائب العام ضد إحدى السلاسل لبيع الأدوية المهربة وغير القانونية، مع اتهامات ضد مسؤولين بالوزارة وبغرفة الأدوية بـ "الفساد والتربح من مناصبهم وتمرير أدوية مهربة دون تسجيلها بوزارة الصحة أو التأكد من مطابقتها للمواصفات".

وضبط جهاز حماية المستهلك أدوية ومكملات غذائية مهربة وغير مرخصة بصيدلية تتبع إحدى السلاسل.

وتزامن انتشار هذه السلاسل مع بروز جملة من المظاهر الكارثية، منها انخفاض كفاءة المادة الفعالة فى بعض الأدوية ومجهولية مصدر بعضها، وسوء تخزينها، ثم إعادة تدوير ما اقتربت نهاية صلاحيته، وقيام أطباء بتحويل مرضاهم إلى فئران تجارب لحساب شركات الأدوية عبر توجيههم لشراء أدوية تنتجها شركات معينة أو بيعها لهم مباشرة بعياداتهم الخاصة، بحسب شكاوى صيادلة شباب موجهة لعدة جهات بالدولة.

وأظهر مسح عينة مكونة من سبعمئة مدمن فى أحد المستشفيات أن نصفهم تقريبا سقطوا فى الإدمان عبر صيدليات لا يديرها صيادلة.

وتبني برلمانيون مطالب الصيادلة الشباب، وقدموا بها طلب إحاطة لكنه لم يجد فرصة للمناقشة حتى الآن.


كيف تعمل الصيدليات؟
ورغم أن القانون لا يجيز للصيدلي افتتاح أكثر من صيدليتين، فإنه يتعرض للتحايل عليه من جانب كبار الصيادلة وذلك عبر شراء اسم الصيدلي ووضعه كمشرف على الصيدلية التي تحمل اسم السلسلة العملاقة.

ومع وجود فائض من الصيادلة نتاج وفرة الدفعات الحديثة، يعاني الصيدلي في افتتاح صيدلية خاصة خصوصا مع انتشار الصيدليات وارتفاع تكلفتها، وعجزه عن منافسة هذه "السلاسل الحيتانية" بتعبير ديانا وهي صيدلانية تخرجت منذ نحو 13 عاما، وكافحت لدى الجهات المختصة بالتصاريح لمدة عام ونصف العام لافتتاح صيدلية خاصة بها.

ولم تعد مكاسب الصيدلي من عمله كبيرة كما كان الأمر قبل دخول السلاسل لسوق الدواء، إذ تحصل السلاسل على نسبة خصم ضخمة على سعر الدواء، يحقق لها مكاسب جمة، لأنها تشتري من المورد بالجملة، على حساب الصيدليات الصغيرة التي يجري توريد كميات ضئيلة لها، هذا إذا فاضت كميات لدى الموردين عن حاجة السلاسل، وفق الصيدلانية ديانا.

الأخطر من وجهة نظرها أن قيام صيدلي بتأجير اسمه لغير ذي صفة صيدلانية، أو حتى لفروع تستأجر من يعمل فيها، يضرب المهنة في مقتل، إذ يتسبب في قيام البعض بمنح علاج خاطئ أحيانا، وبيع مواد الجدول المخدرة للمدمنين بلا رابط تحقيقا لمكاسب، ولا يحقق المكاسب للصيدلي بطريق مشروع إلا بيع مستحضرات التجميل والعناية. 


احتكار
في حديثه للجزيرة نت يطالب النقيب الأسبق لصيادلة القليوبية (شمال القاهرة) أحمد رامي بمواجهة جادة لظاهرة السلاسل عبر قيام النقابة بتنمية أشكال من التعاون بين الصيادلة، مستدركا "لكن النقابة واقعة تحت الحراسة القضائية منذ فبراير/الماضي بعد حل مجلس النقابة، مما يعمق من أزمة المهنة والصيادلة لصالح السلاسل".

وبرأيه: لابد أن تضمن التشريعات الجديدة الخاصة بالتأمين الصحي وصول الخدمة لكل الأطراف عبر تمكين المريض من حرية الصرف من أي صيدلية ضمن التأمين الصحي، وهنا سيشعر الصيادلة بالعدالة في فرص الصرف، وفي ذلك أيضا تيسير للمريض.

ولا يبرئ رامي الصيادلة أنفسهم من تبعات تزايد أعدادهم -بعشرة أضعاف المعدل العالمي- على تدهور أوضاع الصيدلة عموما، مطالبا بتخفيض أعداد المقبولين بالجامعات، ورفع مستويات الخريجين وقدراتهم ووعيهم كأفراد تجاه أزماتهم الناشئة عن انتشار السلاسل أو غيرها.

وصنعت السلاسل أزمة حتى لموردي الأدوية أنفسهم، فهذا صاحب شركات توريد أدوية -رفض الإشارة لهويته في حديثه للجزيرة نت- كان يورد قديما أدوية لسلاسل معينة، ثم فوجئ بأن صاحب هذه السلاسل احتكر استيراد هذا الصنف مما يمثل خطورة كبرى.

ويؤكد وائل على عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصيادلة أن ظاهرة السلاسل ممنوعة في معظم دول العالم، ونعتها في تصريحات صحفية بأنها ظاهرة "سرطانية" لا تفيد الاقتصاد، بل يستفيد أصحابها بقروض من البنوك، وهناك عدد من أصحابها تحوم حوله شبهات غسل أموال.

المصدر : الجزيرة