ما حقيقة خطورة أدوية السرطان المهربة على المرضى بمصر؟

وزارة الصحة المصرية أصدرت تحذيرات من تداول أدوية لمرض السرطان مقلدة ومهربة (المركز الإعلامي لمعهد الأورام)
وزارة الصحة المصرية أصدرت تحذيرات من تداول أدوية لمرض السرطان مقلدة ومهربة (المركز الإعلامي لمعهد الأورام)

محمود صديق-القاهرة

أشار عادل –بحسرة- إلى بناية مكونة من 12 طابقا قائلا "كان أبي يمتلك هذا المبنى قبل أن يصاب بسرطان الجلد، الذي دفعه لبيعه وبيع كل ما يملك تقريبا لتغطية تكاليف علاج المرض اللعين".

وأكمل الشاب الأربعيني "كنا نسمع عن أدوية للسرطان تأتي عن طريق التهريب بأسعار لا تتجاوز 15% من أسعار تلك التي نشتريها، لكن والدي –رحمه الله- كان غير مستعد للمغامرة بأدوية مجهولة المصدر ولم تصرح بها وزارة الصحة".

كلام عادل عن الأدوية المهربة تدعمه تحذيرات وزارة الصحة المصرية خلال الأشهر الأخيرة من تداول أدوية لمرض السرطان مقلدة ومهربة لخطورتها على حياة المرضى، وطالبت بضبطها ومصادرتها.

من التحذيرات ما أعلنته الوزارة مؤخرا عن وجود عبوات مقلدة لعقار "zytiga 500 mg tab" الذي يزيد سعره على 46 ألف جنيه (الدولار نحو 17 جنيها).

فما مدى خطورة هذه الأدوية على مستخدميها؟ وما الفارق بين الأدوية المهربة والمقلدة بالداخل؟ ولماذا يستمر المرضى في طلب هذه الأدوية من الخارج والإقبال عليها؟ وهل رخص أسعارها لا يزرع الشك في صحة مكوناتها وموادها الفعالة؟

د. علي عبدالله: "أحيانا يكون تهريب الأدوية ضرورة (المركز الإعلامي التابع لمعهد الأورام)

الفارق بين المهرب والمقلد
يؤكد مدير المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان الدكتور على عبد الله ضرورة التفرقة بين الأدوية المهربة والمقلدة داخل ما يسمى "مصانع بئر السلم"، فالأخيرة تحمل كل الخطورة على حياة المريض من حيث عدم مطابقتها المواصفات، وتدخل في صناعتها مواد لا تستند إلى أى تجربة علمية، وتضعها داخل عبوات تشبه العبوات الحقيقية في كل شيء.

أما الأدوية المهربة –كما يقول الدكتور في كلامه للجزيرة نت- فتكون منتجة في دول أخرى غير دولة المنشأ، معتمدة على رخص الأيدي العاملة ومكونات الإنتاج في تلك الدول؛ كالهند التي تحتل النسبة الأكبر في الأدوية المهربة إلى مصر.

ولكن ذلك لا يعني -بالضرورة- عدم نجاعة تلك الأدوية المهربة أو خطورتها على المرضى، حيث إن تلك المصانع تستخدم المادة الفعالة نفسها في الأدوية الأخرى، مستغلة التباين في تكلفة الإنتاج بين بلد مثل ألمانيا، حيث التكلفة العالية جدا للإنتاج مقارنة بالهند، حسب كلام عبد الله.

تهريب حلال
"أحيانا يكون تهريب الأدوية ضرورة، وهو ما يمكن تسميته التهريب الحلال، ففي بعض الأحيان يكون هناك نقص شديد في أدوية ضرورية، ولا سبيل إلا الأدوية المهربة؛ فهنا يكون المهرب -رغم مخالفته الإجراءات المحددة- قدم خدمة للمرضى الذين ليس أمامهم سوى هذا الطريق للشراء منه"، حسب ما قاله عبد الله.

"تسألني عن التهريب؟ ابحث عن الصيدليات الكبرى". هكذا أجاب عماد وجدي صاحب إحدى الصيدليات بمنطقة الجيزة، حيث أكد للجزيرة نت أن أكبر مستوردي الأدوية المهربة هم أصحاب ما تسمى السلاسل الصيدلية (أي التي لها فروع منتشرة بمناطق مختلفة في مصر).

ويضيف وجدي أن تلك الصيدليات تشتري أو تؤجر شققا قريبة من أفرعها لتخزين تلك العقاقير المهربة، بعيدا عن أعين لجان التفتيش الصيدلي، التي قد تمر فجأة، لذلك حين تطلب دواء مستوردا يخبرك الصيدلي بالانتظار لدقائق متعللا بجلبه من المخزن.

وهناك عقاقير تدخل مصر عن طريق حاويات الأدوية المستوردة لصالح ما أسماها وجدي الجهات السيادية، حيث لا تفتيش ولا جمارك ولا أية رسوم، على حد قوله.

كلام وجدي عن سلاسل الصيدليات أكده مرارا نقيب الصيادلة السابق محيي عبيد (محبوس حاليا بتهمة الاعتداء على صحفيين) بالقول إن أدوية السرطان الموجودة في سلاسل الصيدليات الكبرى جميعها مهربة من الخارج وبعضها غير مطابق للمواصفات.

البعض يقولون إن المستشفيات الحكومية تعاني نقصا شديدا في أدوية الأورام (المركز الإعلامي التابع لمعهد الأورام)

الرقابة على السلاسل
كما طالب عبيد -في تصريحات صحفية- الدولة بضرورة تشديد الرقابة على المنافذ التي تدخل منها هذه الأدوية المهربة، لأنها تؤثر في الأمن القومي المصري، وحث التفتيش الصيدلي على ضرورة عمل حملات كبرى، وتشديد الرقابة على السلاسل الكبرى، وتحرير محاضر للمخالفين الذين توجد لديهم أدوية مهربة سواء للسرطان أو غيره، مؤكدا ضرورة اتخاذ التفتيش الصيدلي قرارات بالغلق الإداري لهذه السلاسل.

اللغط المثار حول خطورة غش وتهريب أدوية السرطان دفع النائبة بالبرلمان داليا يوسف إلى تقديم طلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزيرة الصحة حول تأخر وزارة الصحة في مواجهة هذه الظاهرة.

وجاء في استجوابها أن رقابة الوزارة لا تسبق تداول العلاج، بل تلي انتشاره في السوق بوقت طويل، مما يعرض حياة المواطنين للخطر إلى أن يتم اكتشاف غش الدواء؛ مطالبة باتخاذ إجراءات حقيقية ضد الشركات أو المصانع التي تصنع هذه الأدوية المغشوشة.

تعديل تشريعي
ورأت يوسف أن حل الأزمة يكمن في تعديل تشريعي يغلظ العقوبة على تصنيع أو التعامل في الأدوية المغشوشة أو مجهولة المصدر؛ فرغم خطورة غش الأدوية ما زال القانون يتعامل معها على أنها جنحة وعقوباتها ليست رادعة.

وتحدثنا لبعض الذين يعانون من أنواع مختلفة من مرض السرطان ويتعاملون مع أدوية هندية يجلبها أقارب لهم من خارج مصر، أو يتعاملون مع من أطلقوا عليهم "تجار الشنطة" فأكدوا أنهم مضطرون لشراء هذه الأدوية نظرا للأسعار الباهظة للأدوية المصرح بها من قبل الوزارة.

وتساءل "حمدي.ن" -نجل أحد المصابين بالسرطان- "ما الذي يملكه الناس سوى اللجوء لهذه الأدوية؟" ويكمل "إذا كانت أسرة مثلنا مستورة ماديا (ميسورة الحال) نوعا ما نشعر بفداحة تكلفة العلاج، فكيف حال المريض غير ميسور الحال فالمستشفيات الحكومية تعاني من نقص شديد في أدوية الأورام، كان الله في عونهم".

طوابير الآلام
في حين أكدت إسراء أن والدتها –المصابة بسرطان الثدي- تخوض رحلة علاج مريرة كل أسبوعين، حيث يضطرون للذهاب مبكرا جدا لحجز مكان في طابور انتظار طويل لتلقي جلسة علاج كيميائي بالمعهد القومي للأورام.

المصيبة الكبرى –كما تقول إسراء للجزيرة نت- أن يباغتنا موظفو المعهد بعد انتظار ساعات بالقول إن الأجهزة معطلة أو إن العلاج المخصص للجلسة نفد، مشيرة إلى أن أحد موظفي المعهد أكد لها أن المعهد يستقبل يوميا نحو ثمانمئة مريض من أنحاء الجمهورية، لا يدفعون سوى عشرة جنيهات ثمن تذكرة الفحص.

المصدر : الجزيرة