طبيبة قطرية: فحص الجينات الوراثية يجنب الإصابة بالسرطان مستقبلا

ريم السليمان مستشارة جينات ووراثة الأورام السرطانية في المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان بقطر (الجزيرة نت)
ريم السليمان مستشارة جينات ووراثة الأورام السرطانية في المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان بقطر (الجزيرة نت)

حوار: عماد مراد-الدوحة

أكدت الطبيبة القطرية ريم جواد السليمان أن فحص الجينات الوراثية يمكن أن يجنب الآلاف الإصابة بمرض السرطان مستقبلا، موضحة أن هناك أشخاصا معرضين للإصابة بالسرطان نظرا لأنهم يحملون متلازمة وراثية تؤدي إلى حدوث هذا المرض.

وشددت ريم السليمان التي دخل أحد أبحاثها مؤخرا قائمة أفضل البحوث الطبية في المملكة المتحدة وفقا للمؤسسة القومية البريطانية للبحوث والاكتشافات، على أن المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان التابع لمؤسسة حمد الطبية يقوم بعمل فحوص جينية لبعض المعرضين للإصابة بمرض السرطان إذا وجد تاريخا مرضيا في العائلة، موضحة أنه في حال أثبتت الفحوص ذلك يتم اتخاذ إجراءات وقائية لحمايته من الإصابة.

وتضيف -في حوار مع الجزيرة نت- أن الإجراءات الوقائية تختلف من شخص لآخر، وكل متلازمة لها طريقة علاج ووقاية مختلفة بالكامل عن المتلازمة الأخرى، فهناك جراحات وقائية يمكن إجراؤها فورا وهناك حالات ينصح متابعتها بالأشعة وفحوص الدم الدورية دون تدخل حالي، وهناك متلازمة يتم فيها التدخل العلاجي الفوري للوقاية من خطر الإصابة. وفيما يأتي نص الحوار:

في البداية نود التعرف أكثر إلى الدكتورة ريم السليمان؟
اسمي ريم جواد السليمان، قطرية وأعمل مستشارة جينات ووراثة للأورام السرطانية في المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان التابع لمؤسسة حمد الطبية، حاصلة على البورد الأميركي في استشارة الجينات والوراثة، وأعمل أيضا مساعدة بروفيسور في الجينات الوراثية بالمركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان. حصلت على الدكتوراه من جامعة ريغنت في لندن، في بحث يركز على تجربة النساء مع مرض سرطان الثدي والعوامل التي قد تساهم في تدهور حالتهن النفسية.

ماذا تقدمون في مجال الجينات الوراثية من خلال عملكم في المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان؟
عملنا في هذا المجال يستهدف فحص الأشخاص المعرضين للإصابة بمرض السرطان أو المصابين به بسبب جين وراثي متوارث في العائلة الواحدة، والتدخل السريع -سواء عن طريق تقديم الأدوية لمعالجة هذه الحالات أو إخضاعها للفحوص والأشعة الدورية- للاطمئنان بشكل دوري على حالتهم الصحية، وفي بعض الحالات نقوم بعمل تدخل جراحي لمنع إصابة هذا الشخص بالسرطان مستقبلا بسبب المتلازمة الوراثية التي يحملها من العائلة، والعمل على عدم انتقال هذا المرض للأجيال القادمة.

متى تخاف الأسرة على الجيل الجديد من الإصابة بالسرطان؟
هناك مجموعة من القوانين يمكن تطبيقها والخروج بنتائج سريعة لمعرفة هل هذه العائلة تطابق العائلات التي لديها أمراض وراثية أم لا، وتقييم هذه العائلة تقييما دقيقا في عيادة الجينات والتأكد من التاريخ الشخصي والعائلي ومن عدة عوامل قد تكون بمثابة علامات لها علاقة بالسرطانات الوراثية، كتكرار نوع معين أو أنواع مختلفة من السرطانات في عدة أجيال. وعادة ما تشخص بعمر مبكر فإن عامل السن له أهمية كبيرة في هذا المجال، فإذا كانت الإصابة بالسرطان في سن قبل الـ45 عاما أو كان ذا نوعية مجهرية معينة فقد يكون له علاقة بعامل وراثي.

وإذا كانت العائلة مطابقة لشروط فحص الجينات، فيقوم مستشار الوراثة بتحديد نوعية فحص الجينات مخبريا للبحث عن المتلازمات السرطانية في جينات هذه العائلة، وفي حال التأكد من وجود احتمالية الإصابة بالسرطان تفرض إجراءات وقائية على هذه العائلة.

ما الإجراءات الوقائية وتأثيرها على منع الإصابة بالمرض؟
أولا نتحدث مع الشخص عن النتائج المترتبة على هذا الفحص حتى يكون هناك استعداد نفسي لتقبل نتائجه التي تركز أصلا على وقايته من الأمراض، والتعامل مع أي خلل جيني حالي يمكن أن يعرضه للخطر في المستقبل.

كل متلازمة لها طريقة علاج ووقاية مختلفة بالكامل عن المتلازمة الأخرى، فهناك جراحات وقائية كالتي خضعت لها النجمة السينمائية العالمية أنجيلا جولي باستئصال الثدي، لأن لديها جينات وراثية جعلتها عرضة لهذا المرض في المستقبل، لذلك رأت أن تقوم بعملية جراحية لإزالة الثدي حتى تتخلص من هذا الخوف في المستقبل.

وهناك جينات تتم متابعتها بالأشعة وفحوص الدم الدورية دون تدخل حالي، وجين آخر يتم التدخل العلاجي الفوري للوقاية من خطر الإصابة به، إذ هناك آلاف من المتلازمات الوراثية المتعلقة بمرض السرطان فقط.

برنامج الجينات الوراثية للأمراض السرطانية، البرنامج الوقائي والعلاجي بقطر، هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط. هناك بلدان في الوطن العربي تمتلك برنامجا للبحث في الجينات ولكنه غير متكامل، أما البرنامج القطري فيعمل بشكل متكامل من حيث الأطباء ومستشارو الوراثة وطاقم التمريض والجراحون من مختلف التخصصات.

برنامج الجينات الوراثية للأمراض السرطانية بقطر هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط (رويترز)

هل يساهم زواج الأقارب في ارتفاع الأمراض الوراثية الخاصة بالسرطان؟
بالطبع زواج الأقارب له تأثير في هذا المجال، غير أننا لا يمكن أن نقول بضرورة منع زواج الأقارب، ولكن يجب أن يكون هناك وعي بأن زواج الأقارب -خاصة في وجود طفرات وراثية تنتقل مع الأجيال- يرفع نسبة الإصابة بالأمراض ومن بينها السرطان، نظرا لنسبة تشارك الحمض النووي أو المادة الوراثية بين الزوج والزوجة.

هناك أناس يأتون لنا في العيادة ونكتشف أن هناك مرضا وراثيا قد يعرض الجيل الجديد لخطر العديد من الأمراض على حسب نوع الجين، ونعطيهم النسب بحسب المتلازمة الوراثية.

فإذا كانت المتلازمة سائدة، بمعنى أن يكون الأب أو الأم يحمل أحدهما طفرة وراثية، عندها تكون نسبة انتقال هذه الطفرة الوراثية إلى الجيل الجديد 50%، وعندما تكون المتلازمة متنحية بأن يكون الأب والأم حاملين للطفرة الوراثية لكنهما غير مصابين، فإن من الممكن ظهور الإصابة عند التقاء هذين الطرفين في الجيل الثاني بنسبة 25%.

هل هناك حلول للتقليل من خطر الإصابة عند هذه الحالات؟
في حال وجود مرض وراثي معين في العائلة، ينصح بالابتعاد عن زواج الأقارب أو فحص الزوجين قبل الزواج لمعرفة نسبة توريث المرض الوراثي للأبناء في المستقبل، في حال كان الزوج أو الزوجة أو هما معا حاملين للمرض الوراثي.

وفي حالات معينة ووفقا لجينات معينة، ينصح الزوج والزوجة بعدم الاعتماد على الحمل الطبيعي، ويتم الحمل عن طريق طفل الأنابيب الوراثي، ولكن هذا يتم بعد مقابلة الأطباء والمستشارين بعلم الوراثة حيث لا يتم ذلك على وجه العموم بل في عائلات معينة يكون فيها المرض الوراثي مؤكدا.

هل تخضع هذه البحوث للسرية؟
بالطبع فكل المرضى الذين يخضعون للعلاج أو للفحص الجيني الوراثي لدينا في عيادة الجينات يحصلون على التقييم والفحص بسرية، ولا يمكن لأحد الاطلاع على النتائج أو المعلومات التي تكون خاصة بالمرض -كشجرة العائلة أو غيرها من المعلومات- غير الطاقم المعالج وفي حال الأبحاث، فنحن نقوم بالتعامل مع النتائج وليس مع أسماء الأشخاص المشاركين أو عائلاتهم، لتبقى هذه المعلومات سرية للغاية.

ما طموحك البحثي في مجال المتلازمات الوراثية الخاصة بمرض السرطان؟
نعمل حاليا على مجموعة من الأبحاث التي تركز على أمراض السرطان المنتشرة بين القطريين والعرب بشكل عام، لأن هذا المجال لا يوجد فيه أي دراسات على عكس الغرب الذي إذا عرف الطبيب المنطقة التي جاء منها المريض يعلم أهم الأمراض المنتشرة في تلك المنطقة، أو على حسب الانتماء العرقي. ومن خلال أبحاثنا المكثفة وجدنا أن متلازمة سرطان الثدي والمبيض الوراثي وخاصة طفرات وراثية معينة منتشرة في دولة قطر، ونحن حاليا في طور الانتهاء من أبحاث أخرى ولدينا نتائج مذهلة بالنسبة لفهم خصائص متلازمات وراثية سرطانية أخرى ومدى انتشارها في المنطقة.

معرفة الأمراض الوراثية المنتشرة والمتعلقة بمرض السرطان في منطقة ما يمكن أن يوفر وقاية لآلاف الأشخاص الأكثر عرضة لهذا المرض (دويتشه فيله)

فإذا توصلنا إلى معرفة الأمراض الوراثية المنتشرة والمتعلقة بمرض السرطان في المنطقة، فإننا بذلك سنستطيع توفير وقاية لآلاف الأشخاص الأكثر عرضة لهذا المرض عن طريق التثقيف والفحص المبكر والتدخل السريع.

لك أن تتخيل أن الطبيب في الغرب إذا جاء له شخص من أصل أشكنازي (يهود أوروبا الشرقية) وحتى وإن كان لا يعاني من أية أعراض مرضية، يتم تحويله لعمل فحوص على جين "بي آر سي أي1" (BRCA1) و"بي آر سي أي2" (BRCA2) المسببين لمرض سرطان الثدي والمبيض الوراثي، لأن الدراسات هناك أثبتت أن واحدا من أربعين سيدة ورجلا من أصل أشكنازي يحملون هذا الجين.

وما الأمراض الموجودة وسط العرب؟
بالنسبة للعرب وسكان منطقة البحر المتوسط، فهناك دراسات أثبتت أن مرض فقر دم البحر المتوسط (الثلاسيميا) وفقر الدم المنجلي (الأنيميا المنجلية) هي الأكثر انتشارا في تلك المنطقة، وهي اضطراب وراثي يحدث لخلايا الدم مما يؤدي إلى فقر دم حاد.

وهناك أيضا عدة أمراض وراثية منتشرة بالأخص في دولة قطر، وخاصة أمراض التمثيل الغذائي والغدد الصماء التي يتم فحصها في إطار البرنامج الوطني للكشف المبكر عن حديثي الولادة.

وقد تشمل الأمراض الوراثية الأكثر شيوعا في دولة قطر مرض التمثيل الغذائي الوراثي "الهيموسيستين يوريا"، لذا فإن من المهم زيادة التوعية وتوفير العلاج الفوري لهذه الحالات المرضية وسواها.

ويقوم أيضا الفحص الطبي قبل الزواج "لأجل جيل سليم" بفحص عدة أمراض وراثية منتشرة في قطر للحد منها، من ضمنها أمراض الفقر الوراثية ومرض ضمور العضلات الوراثية وأمراض التمثيل الغذائي ومرض التليف الحويصلي للرئة، ومعظم هذه الأمراض تنتقل بالوراثة المتنحية التي يلعب زواج الأقارب فيها دورا كبيرا.

المصدر : الجزيرة