الفلسطيني أبو سرية.. وحده يصارع "بهجت"

الفلسطيني أبو سرية.. وحده يصارع "بهجت"

تشوهات بالفم والأسنان تظهر على الشاب سليمان أبو سرية المصاب بمرض بهجت (الجزيرة)
تشوهات بالفم والأسنان تظهر على الشاب سليمان أبو سرية المصاب بمرض بهجت (الجزيرة)

عاطف دغلس-جنين

خطوة تجر أخرى وجسم هزيل ومثقل بالمرض تحمله قدمان نحيلتان تسوقان صاحبهما لجولة في محيط المنزل أو أخرى في سوق المخيم المكتظ بشباب من عمره يرقبهم وهم يجوبون حوله بكامل صحتهم وعنفوانهم دون أن تنكسر عزيمته.

منذ اكتشاف إصابته بمرض "بهجت" -وهو مرض نادر وعبارة عن التهاب شامل بالأوعية الدموية والأنسجة- قبل ستة عشر عاما لم يستسلم الشاب سليمان أبو سرية (32 عاما) له ولم يتركه ينهش جسده، فالمرض الذي يوصف بأنه "نادر" ويفتك بعشرات الفلسطينيين تسبب بتقرحات في الفم والتهاب بالمفاصل أدت لعجزٍ في حركته.

وحيث يقطن في حارة الساحة وسط مخيم جنين شمالي الضفة الغربية استقبلنا أبو سرية بابتسامة عريضة أخفت وراءها حزنا وألما كبيرين، فالتقرحات أدمت فمه وشفتيه وأذاب المرض أسنانه ولثته وأحدث بهما تشوها ملحوظا.

زحفا على الأرض أو بالاتكاء على الجدران، يسلك أبو سرية طريقه يوميا للخروج من منزله، فمن قريب استبدل بشقته في الطابق العلوي شقةً أخرى سفلية.

وبصغره بدت أعراض المرض عليه، وعلى العادة كان الحل "بمسحة من زيت الزيتون"، فالعائلة كانت تجهل حقيقة مرض ابنها، وظلت الحال كذلك حتى سن السادسة عشرة حين بدأت أصابع قدمه بالانتفاخ بشكل غريب، ما جعلهم يُرجحون إصابته بالسرطان، وبالتالي أخذ علاجات بغير محلها.

ويقول إن تأخر اكتشاف مرضه وعدم التشخيص الطبي السليم له أدى كلاهما لتأخر علاجه وبالتالي تدهور صحته.

مرض "بهجت" تم اكتشافه لدى سليمان قبل ستة عشر عاما (الجزيرة)

قهر المرض
لكن ثمة شيء ما كان يُحرِّض أبو سرية على التمرد على آلامه والعمل بقوة لهزيمتها، فأكمل تعليمه الجامعي ثم انخرط في سلك التعليم ليصبح معلما في التربية الرياضية بإحدى المدارس بمدينة جنين، وكأنه اختبار القدر ليثبت قدرته على تحدي الصعاب.

وفي المخيم يعرفه الأهالي بصلابة إرادته وحراكه المجتمعي ونشاطه الفعال حسب وصفه، فهو لا يترك مناسبة اجتماعية إلا ويشارك بها، ويستعين على مرضه بالأدوية التي لا يمكنه بأي حال تركها، وفي حال عدم توفرها من المراكز الصحية الحكومية "وهذا يكون في غالب الأحيان" يبتاعها بماله الخاص.

وغلاء الدواء وعدم توفره يعد مأساة أخرى للشاب أبو سرية، إذ يذهب نصف راتبه الذي لم يتسلمه كاملا أصلا مثل سائر الموظفين العموميين بسبب الأزمة المالية التي تعانيها الحكومة الفلسطينية ثمنا للدواء.

العلاج يحد ولا يشفي
ومرض بهجت يُنسب لمكتشفه الطبيب التركي خلوصي بهجت، الذي لاحظ أعراضه في الثلاثينيات من القرن العشرين، وأصبح أول طبيب يصف المرض في العصر الحديث.

ومرض بهجت هو مرض نادر يؤدي إلى التهاب الأوعية الدموية والأنسجة، ويعد تأكيد تشخيص المرض أمرا صعبا، لأن الأعراض واسعة جدا وعامة يمكن أن تحدث في حالات مرضية أخرى.

ومن أعراض مرض بهجت تقرحات في الفم والأعضاء التناسلية، واحمرار وألم في العين وعدم وضوح الرؤية، وصداع، وآلام في المفاصل وانتفاخها وتصلبها.

ويقول الدكتور رفعت الحنبلي اختصاصي الروماتيزم والطبيب المعالج للشاب أبو سرية، إن المرض ينتشر أكثر بين العرب والأتراك وإن الخطر الأكبر له بعد العمى هو "تجلط الدماغ وبالتالي التأثير بالأعصاب وتلف عمل بعض أجزاء الجسم، كما هي حال الشاب أبو سرية".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن الأدوية بهذه الحال "تمنع تطور المرض ولكنها لا تقضي عليه"، فهذه الأمراض -بحسبه- "نادرة" وأعراضها متعددة إما عبر تقرحات أو التهاب بالعين أو جلطات بالأوردة وهو ما يجعل التعرف عليها صعبا.

ويوضح الطبيب الحنبلي أن المصاب بمرض بهجت يعالج بالأدوية العادية من المضادات الحيوية وغيرها، وفي حال تدهورت حالته الصحية ووصل للعين والجلطات الدماغية وتأخر اكتشافه فيعالج بالكورتيزون والعلاج البيولوجي.

تقرحات على شفة سليمان أبو سرية (الجزيرة)

معضلة التشخيص
والعلاج بشكل عام -وفق استشاري الأمراض الباطنية والأستاذ المساعد بكلية الطب بجامعة النجاح بنابلس محمد الخراز- يعطى حسب حالة المريض وتطوراتها، إضافة لعمره ومرحلة اكتشاف المرض، ويقول: إن العلاج يحد من تطور المرض "ولكن لا شفاء منه"، ويكون أكثر فعالية إذا ما كان المريض صغيرا بالسن "فالأعمار بين 15 و40 عاما أكثر عرضة للإصابة".

ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة حول أعداد المصابين بهذا المرض في فلسطين فإنه موجود، ويقول الخراز إنه يعالج الآن أكثر من ثلاثين حالة بينها ثمانية من قطاع غزة، ويرى أن خطورة المرض كانت بعدم تشخيصه جيدا ولكن هذا أصبح سهلا الآن، كما كانت خطورته في عدم توفر أطباء مختصين وعلاج بشكل دائم في المراكز الصحية الحكومية.

ويؤكد الخراز ضرورة إعطاء المريض العلاج البيولوجي بشكل صحيح وأن يتابع جيدا وتجرى له "فحوص لمرض السل والتهاب الكبد الوبائي، إذ إن أي خلل في العلاج يُعرِّض المريض لالتهابات لأنه مثبط للمناعة".

المصدر : الجزيرة