مرضى غزة بين مطرقة المنع الإسرائيلي وسندان نفاد الدواء

مرضى غزة بين مطرقة المنع الإسرائيلي وسندان نفاد الدواء

مرضى غزة يشتكون من نفاد الدواء وتعنت سلطات الاحتلال بمنع سفرهم لتلقي العلاج (الجزيرة)
مرضى غزة يشتكون من نفاد الدواء وتعنت سلطات الاحتلال بمنع سفرهم لتلقي العلاج (الجزيرة)

رائد موسى-غزة

يعاني المواطنان جهاد وأحمد أبو شنب (11 و12 عاما)، في غزة، المصابان بمرض "الغلاكتوسيميا"، من انتفاخ في البطن يصاحبه إسهال حاد أفقدهما الكثير من الوزن، وأصابهما بالشحوب والهزال الشديد، نتيجة انقطاعهما عن تناول الحليب العلاجي منذ نحو عام.

الشقيقان نموذج لحال آلاف المرضى في غزة الذين يواجهون ظروفا صعبة، وكثير منهم يواجهون خطر الموت جراء نفاد مئات الأصناف من الأدوية وحليب "الغلاكتومين" العلاجي.

ويقول والد الطفلين إنهما يعانيان من هذا المرض منذ ولادتهما، وقد توفيت شقيقة لهما من قبل، من دون أن يتمكن الأطباء في غزة منذ تشخيص هذا المرض النادر.

وبحسب وزارة الصحة فإن عشرة أطفال في غزة يعانون من هذا المرض، ويحتاجون شهريا إلى ستين علبة حليب علاجي، بواقع ست علب للمريض الواحد.

الغلاكتوسيميا مرض وراثي استقلابي يتسبب في تراكم نوع معين من أنواع السكريات وهو الغلاكتوز في الجسم الذي يوجد معظمه في سكر الحليب ويعرف بـ "اللاكتوز" الذي يتكون من جزيء غلاكتوز مع جزيء غلوكوز.

ويفتقد الأطفال المصابون بالمرض إلى أنزيم يحول الغلاكتوز إلى غلوكوز مما يؤدي إلى تراكم الغلاكتوز ومواد ضارة في الدم والجسم.

أسرة أبو شنب تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة وعدم القدرة على توفير العلاج (الجزيرة)

اختلال وراثي
وبحسب الأطباء المختصين فإن الغلاكتوسيميا اختلال وراثي نادر ينتج عن عدم قدرة الجسم على هضم الغلاكتوز، ويعتمد الأطفال المرضى منذ ولادتهم على تناول الحليب العلاجي ليضمن لهم نموا طبيعيا من دون إعاقة.

وأكد أبو شنب أن انقطاع الحليب العلاجي منذ نحو عام أضعف قدرة طفليه على مواجهة المرض، مما يستدعي اتباع نظام غذائي خاص يحتوي على الأسماك واللحوم والتفاح، ويحتاج إلى تكاليف مالية باهظة.

ووالد الطفلين موظف بالسلطة الفلسطينية في رام الله ولا يتقاضى راتبه الشهري بسبب الخصومات منذ نحو عامين، ويعيل أسرة من ثمانية أفراد، ويشكو من عدم قدرته على توفير الحليب على حسابه الخاص نظرا لارتفاع ثمنه، فضلا عن عدم توفره في الصيدليات العادية.

ومنذ نحو عامين، وبسبب أزمة مماثلة، اضطر أبو شنب إلى اقتراض خمسة آلاف دولار من البنك من أجل توفير كمية من الحليب لطفليه، لكنه لم يعد قادرا على توفير الحليب ومتطلبات النظام الغذائي الخاص، بسبب أزمة رواتب السلطة وعدم امتلاكه لما يبيعه من أجل علاج طفليه.

وتقول والدة الطفلين بحرقة ومرارة إنهم لا يمتلكون ثمن الفحوصات الطبية المطلوبة معبرة عن خشيتها على حياتهما، بعدما اضطروا إلى استئصال إحدى كليتي أحمد قبل خمسة أعوام، وهما يعانيان حاليا من مشكلات صحية في الكلى والغدد والجهاز الهضمي.

وأكد مدير عام الصيدلة بوزارة الصحة الدكتور منير البرش أن نفاد حليب الغلاكتومين، من مستودعات الوزارة يهدد حياة الأطفال المرضى، وقد يتسبب لهم بالإعاقة والفشل الكلوي.

وزارة الصحة تحذر من كارثة صحية مع وصول عجز الدواء إلى 52% (الجزيرة)

حليب علاجي
وقال البرش إن الحليب العلاجي لا يتوفر في الصيدليات العادية لارتفاع ثمنه، حيث يصل سعر العلبة الواحدة إلى 130 دولارا، ويحتاج المريض إلى ست علب شهريا.

وأكد الدكتور راغب ورش أغا رئيس قسم الجهاز الهضمي في مستشفى الرنتيسي للأطفال أن المرضى الذين يعتمدون بشكل أساسي على تناول الحليب العلاجي منذ الولادة معرضون للخطر كونهم بحاجة ماسة لتناوله.

وأوضح أن عدم تناول الأطفال للحليب العلاجي يتسبب بحالة إسهال مزمنة وحادة وسوء امتصاص، وبالتالي انخفاض أوزانهم، مما يضطرهم لدخول المستشفى فترات طويلة، وقد يؤدي ذلك إلى الوفاة.

ويزداد الواقع سوءا لدى أصحاب الأمراض الأشد خطورة كالأورام السرطانية جراء نفاد الدواء، ومنع سلطات الاحتلال المئات منهم من السفر عبر معبر بيت حانون (إيريز) لتلقي العلاج في مستشفيات القدس والضفة الغربية.

وقال المتحدث باسم الصحة الدكتور أشرف القدرة إن مرضى غزة يقعون بين فكي كماشة، فهم يعانون من نفاد الدواء من جهة، ومنع سلطات الاحتلال سفرهم لتلقي العلاج من جهة ثانية، ويواجهون جراء ذلك خطر الموت كل لحظة.

منع
وأضاف القدرة أن سلطات الاحتلال تمنع حوالي 45% من التحويلات الطبية من تلقي العلاج بالخارج، والذي كفلته كل التشريعات الحقوقية والإنسانية الدولية.

وأوضح أن نسبة العجز الدوائي في مستودعات الوزارة في غزة وصلت إلى أكثر من 52%، ومن بين أكثر الفئات تضررا جراء أزمة الأدوية حوالي ثمانية آلاف من مرضى السرطان، بسبب نفاد 38 صنفا من أدوية السرطان، بما يمثل 62% من البروتوكولات العلاجية.

كما يعاني من الأزمة الدوائية -حسب القدرة- 1189 مواطنا من مرضى الكلى بينهم 39 طفلا، و125 من مرضى الهيموفيليا نصفهم من الأطفال، إضافة إلى مرضى التلاسيميا والسكري والضغط.

وقد حذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في تقرير حديث رصد فيه الأزمة الدوائية، من التداعيات الخطيرة للأزمة على حياة آلاف المرضى.

وناشد المركزُ السلطةَ بتحمل مسؤولياتها والتدخل العاجل لضمان توريد الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة للمرافق الصحية، في وقت ناشد المنظمات الدولية المتخصصة بالتدخل لتوفير المساعدة العاجلة للقطاع الصحي، بما يكفل استمرار عمل المرافق الصحية وإنقاذ حياة مرضى غزة.

المصدر : الجزيرة