"أخبرتكم أنني سأنتحر".. ماذا يخبرنا المنتحر قبل أن يفعلها؟

"أخبرتكم أنني سأنتحر".. ماذا يخبرنا المنتحر قبل أن يفعلها؟

إذا كانت لدى الشخص خطة للانتحار فيجب طلب المساعدة فورا (بيكسابي)
إذا كانت لدى الشخص خطة للانتحار فيجب طلب المساعدة فورا (بيكسابي)

د. أسامة أبو الرب

الانتحار محزن وكئيب، وهو تصرف "دائم" لمواجهة مشكلة مؤقتة، ولكن ما يجعل الانتحار أكثر بؤسا وكآبة أن يترك المنتحر قصاصة ورقية صغيرة، يكتب فيها "أخبرتكم أنني سأنتحر.. لكنكم لا تسمعون".

هذه الفكرة تبادرت إلى ذهني وأنا أقرأ أمس تقريرا يفترض أنه فكاهي، يعرض شواهد قبور كتبت عليها جمل طريفة، منها امرأة أوصت بأن يكتب على قبرها وصفة حلوى الشوكولاتة!

ما أثار انتباهي، ومن ثم حزني، شاهد قبر كتب عليه "أخبرتكم أنني مريض"، ومع أن الصورة من المفروض أن تكون كوميدية، إلا أنه عند التفكير فيها فهي حزينة تمام الحزن، وبائسة كمال البؤس. وهي تمثل الشخص المنتحر تماما، لأن الانتحار في النهاية هو النتيجة النهائية لحالة مرضية عقلية.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا مجال أن يكتب هكذا على شاهد قبر، وذلك لاختلاف تقاليد الجنائز والدفن لدينا. ولكن الشخص المنتحر بالـتأكيد لو قدر له أن يعود للحياة لصاح في وجوهنا "أخبرتكم أنني سأنتحر!"

خيبات أمل
لا بد أن مرور الشخص بالعديد من خيبات الأمل تجعله أكثر عرضة للسقوط في براثن الاكتئاب، أضف إلى ذلك سوء فهم المرض العقلي، وعدم التوجه للطبيب النفسي.

والواقع أن عالمنا العربي يشهد حاليا موجة جديدة من المغالطات المعادية للطب النفسي، والتي تقول إن الأطباء النفسيين يشخصون أشخاصا سليمين بأنهم مرضى عقليون لصالحهم المادي، ولا ننسى شركات الأدوية -التي يجب أن تكون حاضرة في أية نظرية مؤامرة- التي تريد بيع أدويتها العقلية.

على طرف آخر تأتي النظرة الخاطئة الأخرى، وهي أن المرض النفسي عقوبة من الله عز وجل على الفسق والفجور، مع أن الدين بريء من هذه الافتراضات.

ونتيجة الاعتقادات الشعبية الخاطئة من نظرية مؤامرة، ونظرة تلقي اللوم على الذنوب؛ يضيع الشخص، ليجد نفسه يسقط أكثر فأكثر في المرض، الذي قد يكون اكتئابا أو اضطرابا ثنائي القطب، أو حتى الفصام. وعندها فإن الانتحار قد يصبح مجرد مسألة وقت.

علينا أن نفهم أن المرض النفسي ليست له علاقة بالإيمان أو الكفر، عندما تسقط من الطابق العاشر سوف ترتطم بالأرض وتتحطم عظامك وتموت؛ فالمرض العقلي ينتج عن تغيرات في الدماغ، واضطراب في مواد كيميائية معينة، وهذا ليست له علاقة بإيمانك.

إيمان
بالتأكيد فإن الإيمان ووجود شبكة داعمة من الأصدقاء؛ يوفران دعما نفسيا للشخص، ولكن هذا ليس بديلا عن العلاج، مثل أن التحكم في كمية الطعام هو أمر مساعد في التعامل مع مرض السكري من النوع الأول –الذي يكون فيه الإنسولين معدوما في الجسم- ولكنه ليس بديلا عن حقن الإنسولين، ودونها سوف يموت المريض.

في الحقيقة، إن اللجوء للمقاربة "الذنبية" هذه، والتي نقول فيها للمريض إن مرضه ناجم عن ذنوبه، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ إن الشخص قد يهرع إلى العبادات، ولكن وضعه النفسي لا يتحسن، مما قد يدفعه للسخط وربما يقود لاحقا للإلحاد.

الله جل جلاله بريء من هذه الترهات، وهو خلق الدواء، وأمر الناس بالتداوي، وبالعكس فإن الله عز وجل سوف يحاسب الإنسان على التقصير في علاج نفسه.

يجب أن نفهم أن الشخص الذي يفكر في الانتحار يشعر كأنه في نفق مظلم ولا يرى أمامه شيئا سوى طريق واحد للعبور، وهو قتل نفسه. في هذ الحالة يصبح العيش صعبا لدى الشخص، ويصبح من الأسهل الموت.

يجب علينا أن نتحدث مع الشخص مباشرة حول الموضوع، ونسأله لماذا تريد أن تقتل نفسك؟ ويجب أن نساعده على الذهاب للطبيب النفسي.

ويفترض الكثير من الناس أنك إذا سألت شخصا إذا كانت لديه أفكار انتحارية، فأنت تضع الفكرة في رأسه وتنبهه لها. لا، هذا الكلام خطأ، فالشخص الذي يريد أن ينتحر يفكر في الأمر مليا ويخطط له، وليست لذلك علاقة بأن يسأله أحد عن الانتحار.

وبالعكس، يشجع اختصاصيو الصحة العقلية الناس على طرح أسئلة مهمة وجمع الحقائق لمساعدة الشخص، فعندما يفكر شخص ما في الانتحار، يمكن أن تعطيك كلماته وأفعاله أدلة.

علينا أن ننتبه إلى أن هناك إشارات تحذيرية يخبرنا بها الشخص الذي ينوي الانتحار، تتراوح بين التلميح، وربما تصل للتصريح: "سأقتل نفسي"، ومن المهم أن نعرفها ونتعامل معها بجدية.

وهذه أبرز العلامات التحذيرية التي تدل على أن الشخص الذي أمامك يفكر، أو يخطط، أو على وشك القيام بالانتحار:

العلامات التحذيرية العاطفية:

1- الشعور بالاكتئاب.

2- قلة الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها في السابق.

3- التهيج.

4- الغضب.

5- القلق.

6- الشعور بالعار أو الإذلال.

7- تقلب المزاج.

العلامات التحذيرية العاطفية اللفظية، وهي تكون عبر حديث الشخص عن:

1- قتل نفسه "سأقتل نفسي".

2- حياته ليس لها أي هدف أو معنى.

3- الحياة ستكون أفضل بالنسبة لعائلتي لو لم أكن موجودا.

4- أنا عبء عليكم.

5- أشعر بعدم الرغبة في الوجود.

6- قد يكون التعبير غير مباشر، مثل "أتمنى أن أذهب للنوم ولا أستيقظ".

العلامات التحذيرية السلوكية:

1- العزلة عن الآخرين.

2- عدم التواصل مع الأصدقاء أو العائلة.

3- التخلي عن الممتلكات.

4- كتابة وصية.

5- القيادة بتهور.

6- زيادة السلوك العدواني.

7- زيادة تعاطي المخدرات والكحول.

8- البحث عن معلومات عن الانتحار على شبكة الإنترنت.

9- تحضير مستلزمات الانتحار، مثل سلاح ناري، أو أدوية.

10- التوقف عن الاهتمام بالنظافة الشخصية.

إذا رأيت أيا من هذه العلامات على الشخص تواصل معه، ويمكن سؤاله مباشرة: هل تفكر في قتل نفسك؟

وإذا كان الشخص يفكر في الانتحار، فمن المهم أيضا أن تسأله عما إذا كانت لديه خطة. إذا قال نعم، فيجب طلب المساعدة فورا، عبر الذهاب إلى غرفة الطوارئ أو العيادة النفسية. لا تترك الشخص وحيدا إذا كانت لديه خطة للانتحار.

المرض النفسي ليس مؤامرة من شركات الأدوية ولا انتقاما من الله عز وجل، وهو الرحيم بعباده.

يمكن أن تساعد على إنقاذ حياة شخص عزيز على تخطي اليأس وأن يعيش، ويجب أن تخبره أن الانتحار ليس هو الحل لأية مشكلة.

وفي النهاية، هل هناك أفضل من مساعدة إنسان على اختيار الحياة؟

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية