غزة.. القيود الإسرائيلية وعقوبات السلطة تعصفان بأطفال التوحد

رائد موسى-غزة

اضطر سليمان أبو جلالة لسحب طفله مجد (خمسة أعوام) من مركز متخصص لأطفال التوحد، بسبب عدم قدرته على الالتزام بدفع الرسوم الشهرية، على خلفية الضائقة المالية الخانقة التي يعاني منها أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، نتيجة الحصار الإسرائيلي والقيود المفروضة عليه من السلطة الفلسطينية.

كثيرون من أمثال سليمان، البعض دفعتهم الظروف الصعبة إلى سحب أبنائهم، وآخرون تراكمت عليهم الديون لعدم تمكنهم لفترات طويلة من دفع الرسوم المستحقة لـ "مركز الإرادة للتوحد والاحتياجات الخاصة"، الذي يواجه بدوره أزمة مالية تعصف به وربما تدفعه إلى الإغلاق.

وهذا المركز، الذي تأسس في العام 2013، هو الوحيد في قطاع غزة المتخصص في التعامل مع الأطفال المصابين بحالات التوحد، وتعليمهم وتأهيلهم، ودمج من يستجيب منهم مع الأسوياء من أقرانهم في المدارس العادية.

يعرف التوحد -الذي يصيب طفلا واحدا من بين كل ثمانين حالة ولادة عالميا- بأنه اضطرابات تصيب الجهاز العصبي المركزي، وتؤدي إلى خلل مباشر في وظائف المخ.

التوحد
ويصيب التوحد الذكور أكثر من الإناث بنسبة 1 إلى 4، ويكون اكتشافه في السنوات الثلاث الأولى بعد الميلاد، ويلازم المصاب مدى الحياة.

ويقول أبو جلالة، وهو ممرض في مستشفى الشفاء الحكومي في غزة للجزيرة نت، إن الضائقة المالية التي يعاني منها والناجمة عن عدم تلقيه راتبه الشهري كاملا وبانتظام، منذ فترة طويلة، أجبرته على إخراج ابنه مجد من المركز بعد أربعة أشهر فقط، شهدت خلالها حالته تحسنا ملحوظا.

ويتلقى موظفو غزة نحو 40% فقط من رواتبهم الشهرية، بفعل الأزمة المالية التي اشتدت منذ العام 2013، وما تلاها من تأزم للعلاقة بين النظام المصري وحركة حماس، والحملة المصرية الشرسة ضد الأنفاق أسفل الحدود بين مصر وقطاع غزة.

‪أطفال مصابون بالتوحد اجتازوا امتحان وزارة التربية والتعليم للاندماج في مدرسة عامة بغزة‬ (الجزيرة)

كما ازدادت الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة سوءا إثر القيود والعقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية في أبريل/نيسان 2017، والخصم الكبير من رواتب نحو خمسين ألف موظف يتبعون لها في القطاع، وإحالة الآلاف منهم على التقاعد المبكر.

وقال أبو جلالة إنه استأجر منزلا في غزة، كي يكون قريبا من مركز الإرادة ويتمكن من إلحاق طفله مجد به، لعدم وجود مركز متخصص آخر بحالات التوحد في جنوب قطاع غزة. وأضاف أنه يفكر في العودة إلى منزله في مدينة رفح جنوب القطاع، لعدم قدرته على دفع إيجار المنزل ورسوم المركز.

وتعاني شيرين الدوس الأمر نفسه مع طفلها مصطفى (عشرة أعوام)، الملتحق بالمركز قبل أربع سنوات.

وتقول شيرين للجزيرة نت "أسرتنا كبيرة مكونة من سبعة أفراد وزوجي عامل بناء، لكنه في الوقت الحالي لا يجد عملا منتظما بسبب الحصار الإسرائيلي وتردي الأوضاع الاقتصادية. لم نعد قادرين منذ بضعة شهور على الالتزام بدفع الرسوم مثل السابق".

 أزمة مالية
وتخشى شيرين من أن تؤثر الأزمة المالية في المركز وتدفعه إلى الإغلاق، وحينها لن تجد مكانا يهتم بطفلها وتأهيله، في ظل غياب مراكز خاصة أو حكومية تختص بأطفال التوحد في غزة.

وكان الطفل إسماعيل عطا الله (تسعة أعوام) أفضل حالا من سابقيه، إذ تمكن خلال سنوات التحاقه في المركز من اجتياز اختبار وزارة التربية والتعليم، وقبول اندماجه والتحاقه بمدرسة عادية.

ويقول رجب عطا الله، والد إسماعيل للجزيرة نت إن إغلاق المركز -في حال وقع فعلا- يمثل خسارة فادحة لأطفال التوحد في غزة، الذين ليس لهم مكان آخر يتعامل مع حالاتهم الخاصة ويؤهلهم كي يستطيعوا الاندماج في المجتمع.

وأشادت الدكتورة نائلة الخزندار مديرة مدرسة "الشيخ عبد اللطيف الخزندار الخاصة المشتركة"، بمستوى إسماعيل، وقدرته على الاستيعاب والتحصيل الدراسي.

وقالت الخزندار للجزيرة نت إن الطلاب والطالبات من أطفال التوحد، الذين التحقوا بالمدرسة، أثبتوا قدرات جيدة على الدراسة والتعليم، مع تفاوت بينهم في المهارات الفردية، كغيرهم من الطلبة الأسوياء.

ونجح "مركز الإرادة للتوحد والاحتياجات الخاصة" في دمج عشرين طالبا وطالبة في المدارس، ويحقق غالبيتهم نجاحات ملموسة على الصعيد الدراسي.

‪الطفل إسماعيل عطا الله داخل فصله الدراسي في مدرسة عبد اللطيف الخزندار‬ (الجزيرة)

مخاوف من الإغلاق
وقال مدير المركز إسلام بركات للجزيرة نت إن 34 طفلا وطفلة مسجلين حاليا في المركز، بينما يوجد على قوائم الانتظار نحو ثلاثمئة آخرين، لا يستطيع المركز استيعابهم، لاحتياجهم إلى تكاليف تشغيلية عالية، وعدم قدرة كثير من أهاليهم على دفع رسوم الالتحاق بالمركز في الوقت الحالي.

وقدّر بركات الالتزامات المالية المستحقة على المركز حاليا بأكثر من 25 ألف دولار كإيجار مقر ورواتب متأخرة للموظفين لديه، لم يستطع الالتزام بسدادها، بسبب عدم التزام الأهالي بدفع رسوم أبنائهم، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

ولا يستبعد بركات إغلاق المركز في حال استمرت الأوضاع الحالية على سوئها، كي لا تتراكم عليه الديون والالتزامات المالية.

ويعمل في المركز 12 موظفا وموظفة متخصصين في برامج التعامل مع أطفال التوحد وتعليمهم وتأهيلهم، فضلا عن خمسة عمال آخرين.

وتقول مها عياد (26 عاما)، التي تحمل شهادة جامعية في الخدمة الاجتماعية، وتعمل في المركز منذ أربعة أعوام، إنها لم تتلق راتبها كاملا وبانتظام منذ نحو عامين.

وعن طبيعة عملها مع أطفال التوحد، أوضحت مها للجزيرة نت أنها متخصصة في التعامل مع الأطفال على برامج التعليم والتدريب والتأهيل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قالت خبيرة في مؤسسة حمد الطبية إن التدخل المبكر وسهولة الوصول إلى خدمات الرعاية والدعم التي يحتاج إليها الطفل يمكن أن يؤديا إلى تحسين النتائج العلاجية للأطفال المصابين بالتوحد.

أسست جمعية سنابل في مخيم البقعة أول مركز لعلاج التوحد بأكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين بدعم حكومي وأهلي وعبر دائرة الشؤون الفلسطينية صاحبة الولاية الاجتماعية على المخيمات بالمملكة.

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة