يفتح أبواب العمل بالخارج.. لماذا تتجاهل الحكومة المصرية اعتماد تحليل تفاعل سلسلة بوليميراز لالتهاب الكبد؟

مبادرة "100 مليون صحة" استهدفت إجراء مسح شامل لحاملي الفيروس والأمراض غير السارية بداية من 2018 (موقع المبادرة)
مبادرة "100 مليون صحة" استهدفت إجراء مسح شامل لحاملي الفيروس والأمراض غير السارية بداية من 2018 (موقع المبادرة)

محمود صديق-القاهرة

خرج المصري طه عبد اللاه يقفز فرحا في الطرقات عندما أخبره الطبيب -بعد إطلاعه على التحاليل- تعافيه من الفيروس المسبب لالتهاب الكبد الوبائي "سي" الذي ظل عائقا يمنعه من السفر للعمل بالكويت مع أبناء عمومته الذين وفروا له فرصة عمل هناك.

دفع العشريني -حسب كلامه مع الجزيرة نت- مبلغا كبيرا من المال لعمل تحليل تفاعل سلسلة بوليميراز polymerase chain reaction (PCR) كي يثبت خلوه من المرض، وخاطب أبناء عمومته الذين أرسلوا له عقد عمل جديدا، وحين ذهب للقنصلية الكويتية فوجئ برفضه مرة أخرى بسبب عدم تعافيه حسبما أوضحت تحاليل وزارة الصحة.

كما قال حمدي حسين ابن مدينة القوصية بمحافظة أسيوط إن ضيق الحال يجبره على البحث عن فرصة عمل بالخارج، ونجح في الحصول على عقد عمل للسعودية، لكن نتيجة التحاليل قضت على آماله وعندما شفي منها رُفض أيضا متسائلا "إذن ما معنى حملة 100 مليون صحة والإعلان عن أرقام بشفاء ملايين الحالات من الفيروس؟".

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح حسين أنه اضطر لبيع بعض من المشغولات الذهبية لزوجته كي يدفع ثمن تحليل "PCR" ليثبت أنه تعافى من فيروس الكبد الوبائي سي، متسائلا "لماذا لا تتدخل الدولة ووزارة الصحة لدى سلطات الدول الخليجية لاعتماد التحليل الجديد ليفتح باب الأمل للعمل هناك مرة أخرى؟". 

دقة التحليل
د. إيهاب كمال مدرس أمراض الباطنة والجهاز الهضمي والكبد بالمركز القومي للبحوث أكد أن حالتي طه وحمدي تتكرران مع آلاف الشباب بسبب عدم اعتماد معظم الدول العربية تحليل "PCR" ولا تعترف سوى بنتائج تحليل قديم يعرف باسم تحليل الأجسام المضادة، والذي يظهر الأجسام المضادة للفيروس ويشخصها كفيروس.

بل إن التحليل القديم -حسب تصريحات كمال للجزيرة نت- يظهر الأجسام المضادة حتى مع من هاجمهم الفيروس وقاومته مناعتهم الطبيعية وأفشلت محاولة اختراقه للجسد، وبالتالي تتم قراءتها بوصفها إصابة الجسم بالفيروس.

وأضاف أن تحليل تفاعل سلسلة بوليميراز Polymerase chain reaction المعروف اختصارا "PCR" دقيق جدا في الكشف عن وجود أي فيروسات بالدم، ومنها فيروس سي، ومتابعة نشاط الفيروس وكميته وسير العلاج بدقة، فهو يتعامل مع بروتينات المرض ومضاداته، مضيفا "نرجو أن تعتمده الدول العربية، ولكن الموضوع يحتاج لتحركات سياسية". 

تدخل سياسي
وحيد دوس رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية أكد ضرورة التدخل السياسي لدى الدول الخليجية لشرح أبعاد الموضوع، (وإعلامهم) بأن وجود أجسام مضادة للفيروس بالجسم لا تعني الإصابة به.

وأوضح في تصريحات صحفية أن ذلك حرم الكثير من المصريين من السفر للعمل في دول الخليج، رغم أن مصر استطاعت أن تعالج مليونا وثمانمئة ألف مصاب بفيروس سي بنسبة شفاء تجاوزت 95%.

وكان السفير خالد رزق مساعد وزير الخارجية للشئون القنصلية والمصريين بالخارج سابقا أكد أن الخارجية قامت بمخاطبة الدول المعنية بهذا الملف من قبل، نظرا لوجود أعداد كبيرة من الممنوعين من السفر، بسبب اعتماد معامل وزارة الصحة على تحليل الأجسام المضادة.

وأضاف رزق في تصريحات صحفية سابقة أن الخارجية في محاولات مستمرة للوصول مع هذه الدول، للوصول إلى حل مرضٍ يسمح لهؤلاء المتعافين من فيروس سي بالسفر إلى الخارج، مؤكدا أنه سيتم عقد لجنة عربية مشتركة بعد أيام قليلة تناقش عدة ملفات واعتماد تحليل "PCR" في معامل وزارة الصحة سيكون أحد أهم هذه الملفات.

شباب ينتظرون إجراء التحليل أملا في السفر للعمل بالخارج (الصحافة المصرية)

تجاهل الصحة
لكن النائب البرلماني محمد فؤاد تساءل -بعد تصريحات رزق بشهرين- عن الخطة الزمنية والموعد الفعلي لاعتماد وتطبيق تحليل "PCR" كمستند شفاء من فيروس "سي" للراغبين في العمل بدول الخليج، نظرا لغموض بيان وزارة الصحة بشأن ما انتهى إليه مجلس وزراء صحة العرب.

وانتقد في تصريحات صحفية مؤخرا ما وصفه بتجاهل وزارة الصحة للأمر، مؤكدا أنه تم الاتفاق بأن تقوم الوزارة بإعلان موقف واضح تجاه الإجراءات والقرارات الخاصة باعتماد التحليل في موعد أقصاه يومان، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

وأوضح أنه تقدم بخطاب أكثر من مرة لرئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب باعتبارها المنوطة بالنظر في هذا الأمر، بعد تفويضها من قبل لجنتي الشؤون الصحية والتعليم والبحث العلمي، ولم يتم الرد، مؤكدا أن التجاهل سمة سائدة في الرد على هذه الخطابات جميعها، مما دفعه إلى التقدم بطلب إحاطة في سبتمبر/أيلول الماضي بشأن استمرار تجاهل الصحة في وضع حل جذري لأزمة اعتماد تحليل "PCR".

نواب كويتيون يرفضون
على الجانب الآخر، تقدم خمسة نواب بالبرلمان الكويتي باقتراح لتثبيت اعتماد تحليل الأجسام المضادة في مواجهة ما رأوه ضغوطا إعلامية لاعتماد تحليل "PCR".

وعلل النواب طلبهم -حسبما نشرت صحف كويتية- بالقول "الأطباء يقولون إن فحص "PCR" يستخدم لتقدير استجابة المصاب بالفيروس للعلاج، وليس كوسيلة تشخيصية، وأن وجود الأجسام المضادة يعني إصابة هذا الجسم في فترة ما من حياته حاليا أو سابقا، ولا يعرف أحد متى سيتمكن الفيروس من استعادة نشاطه، فإذن وجود مثل هؤلاء يعرض المجتمع بأكمله للخطر، لذا فإن الأحوط والأفضل وقائيا اعتماد تحليل الأجسام المضادة".

وأشار اقتراح النواب إلى إمكانية التلاعب في نتائج تحليل "PCR" عن طريق تعاطي حقن مثبطة للفيروس قبيل التحليل، مما يؤدي إلى ظهور نتائج مزيفة، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية للمريض الذي أصيب بالفيروس حتى لو شفي منه. 

وانتهى النواب الكويتيون إلى الاقتراح بألا تصدر شهادة اللياقة الصحية لاستخراج تأشيرة الدخول للدولة إلا استنادا إلى التحليل المعتمد على الأجسام المضادة.

وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت أن مصر استطاعت علاج قرابة ثلاثة ملايين مصاب بفيروس سي من أصل 4.5 ملايين منذ عام 2014، عبر إنشائها اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية ثم مبادرة "100 مليون صحة" التي لجأت إلى ميكنة قواعد بيانات المرضى، وإجراء مسح شامل لحاملي الفيروس والأمراض غير السارية بداية من عام 2018. 

المصدر : الجزيرة,الإعلام المصري