عمل مع الفائز بنوبل للطب 2019.. أيمن الحاج: فوز عالم عربي بنوبل للطب أصبح ممكنا

أبحاث الدكتور أيمن الحاج ركزت على البروتينات والإنزيمات المثبطة للأكسجين (جامعة حمد بن خليفة)
أبحاث الدكتور أيمن الحاج ركزت على البروتينات والإنزيمات المثبطة للأكسجين (جامعة حمد بن خليفة)

أسامة أبو الرب-الجزيرة نت

قال الدكتور أيمن الحاج الأستاذ المساعد في كلية العلوم الصحية والحيوية بجامعة حمد بن خليفة في قطر -الذي كان عمل برفقة السير بيتر راتكليف الحائز على جائزة نوبل في الطب لعام 2019- إن فوز عالم عربي بجائزة نوبل للطب أصبح ممكنا.

تصريح الدكتور الحاج جاء في مقابلة خاصة مع الجزيرة نت تحدث فيها عن أبرز أبحاثه وآفاقها المستقبلية، والدعم المقدم للبحث العلمي في دولة قطر.

وعمل الدكتور الحاج مع السير بيتر راتكليف خلال الفترة بين عامي 2016 و2019، وكان عضوا في فريق أبحاث استشعار الأكسجين بمركز لودفيج لأبحاث السرطان في جامعة أكسفورد. 

وركزت أبحاث الدكتور الحاج على البروتينات والإنزيمات المثبطة للأكسجين، وتحديدا تلك البروتينات والإنزيمات التي تنتجها الكلى بالجسم البشري، واستهدف عمله التوصل إلى علاج موجه لزيادة تكوين الأوعية الدموية وزيادة استقبال الجسم للأكسجين.

الجزيرة نت التقت بالدكتور الحاج، وكان معه الحوار التالي:

 ركزت أبحاثكم على دراسة الآليات الجزيئية والخلوية لنمو الشعيرات الدموية في الجسم، هلا شرحت لنا أكثر عن ذلك؟
كما نعلم فإن الأوعية الدموية تتشكل أثناء الحياة الجنينية، بينما يقتصر ذلك لدى الإنسان البالغ على حالات معينة قد يكون تشكل الأوعية الجديدة فيها مفيدا وضروريا للجسم مثلما يحدث في حالة التئام الجروح ونقص التروية، أو قد يكون لها تأثير سلبي وضار على الجسم مثل أمراض السرطان.

وقد تركزت أبحاثي على فهم كيفية تشكل ونمو الأوعية الدموية الدقيقة (الشعيرات الدموية) في الأنسجة المتعرضة لنقص التروية الحاد أو المزمن بعد انسداد الوعاء الدموي المغذي لها، حيث إن نمو هذه الأوعية يكون عادة غير كافٍ وغير متلائم مع حجم نقص التروية، وهو ما يؤدي بدوره إلى تفاقم المرض.

لهذا، نستخدم نماذج خلوية بشرية في المختبر مزروعة في ظروف تحاكي عملية تشكل ونمو الأوعية أثناء نقص الأكسجة الناتج عن نقص التروية، ثم نختبر مئات إلى آلاف من الجينات والمواد الدوائية الفعالة باستخدام مجهر متطور وفائق السرعة للمساعدة في اكتشاف وفهم العديد من الآليات الجزيئية التي تتحكم في تشكل الأوعية، ثم إيجاد أهداف جزيئية جديدة لتعزيز نمو أوعية دموية وظيفية تخفف وطأة تأثير نقص التروية، وهو ما سيمهد الطريق لتطبيق إستراتيجيات جديدة لعلاج الكثير من الأمراض.

 استهدف عملكم التوصل إلى علاج موجه لزيادة تكوين الأوعية الدموية وزيادة استقبال الجسم للأكسجين، ما أهمية ذلك؟ وما هي الآفاق الذي قد يفتحها مثل هذا العلاج؟
ستنعكس زيادة حجم الشبكة الدموية المغذية للأنسجة في الأمراض التي تكون فيها الشبكة الوعائية غير كافية لتلبية متطلباتها إيجابيا على وظيفة عضو مثل القلب في حالة احتشاء عضلة القلب، أو العضلات الهيكلية في حالة نقص التروية بالأطراف السفلية، أو الدماغ في حالة السكتة الدماغية.

وهناك أيضا أمراض مزمنة تكون فيها الشبكة الوعائية المغذية للأنسجة متضررة وغير وظيفية، وتكون عالية النفاذ لارتشاح الخلايا البيضاء الالتهابية مثل داء السكري وألزهايمر، لذلك فإن تحسين أداء الشبكة الوعائية فيها سيؤدي إلى تحسين الأداء الوظيفي لهذه الأنسجة ومنع تلفها بسبب الحالة الالتهابية المزمنة المصاحبة لهذه الأمراض.

 سبق لكم العمل مع السير بيتر راتكليف الحائز على جائزة نوبل في الطب لعام 2019 خلال الفترة بين عامي 2016 و2019.. ماذا شمل عملكم؟
اشتمل عملنا على استقصاء دور المنظومة الجزيئية والخلوية لاستشعار الأكسجين في تكون الأوعية الدموية أثناء نقص التروية في الأطراف السفلية، وحاولنا بشكل محدد فهم دور تثبيط أحد الإنزيمات المسؤولة عن استشعار مستوى الأكسجين في الخلية بهدف تحسين التروية الدموية الفعالة مع تعزيز قدرة الخلايا العضلية على التأقلم في حالات نقص الأكسجين.

يذكر أن السير بيتر راتكليف يعتبر رائدا في أبحاث نقص الأكسجة، حيث إنه أول من اكتشف وشرح بدقة الآليه الجزيئية والعناصر التي تستخدمها الخلية لاستشعار تغيرات مستويات الأكسجين في الوسط المحيط، وكيفية تأقلمها مع هذه التغيرات.

وقد أدت تلك الدراسات في نهاية المطاف إلى تطوير دواء لعلاج فقر الدم، لذلك أتوقع أن يكون هذا التعاون -الذي ما زال مستمرا مع فريق العمل في مختبر السير بيتر بجامعة أكسفورد- مثمرا بإذن الله وسيؤدي حتما لنتائج مهمة في هذا المجال، ونحن نأمل أن يكون هذا مجرد بداية لتطوير علاج نوعي مبتكر لأمراض القلب والأوعية الدموية في المستقبل القريب.

 كيف تصفون السير بيتر راتكليف؟ وما هي أبرز ميزاته التي لاحظتموها خلال عملكم معه؟
يعتبر السير بيتر راتكليف واحدا من ألمع العلماء في جامعة أكسفورد، حيث يتميز باهتمامه بأدق التفاصيل في أبحاثه، فهو لا يأبه للتحديات والصعوبات التي تواجهه في مساعيه لفهم بعض الآليات الجزئية التي لم يتعرض لها أحد من قبل في دراسته، بل تجده أكثر إصرارا على سبر هذه الجوانب الغامضة عبر وضع إستراتيجيات للبدء في إجراء تجارب جديدة تكشف كيفية عمل هذه الآليات.

ويؤمن السير راتكليف كذلك بأن إنجاز مشاريع الأبحاث لا تتم إلا عن طريق التعاون بين العلماء من مختلف الاختصاصات المكملة والذين عادة ما يختارهم بعناية، حيث إنه قد يتعاون مع عالم كيميائي، أو عالم في بيولوجيا النباتات، أو عالم في مجال الرياضيات بما يخدم في النهاية أهداف تحقيق المشروع.

وعلى الرغم من مشاغله الكثيرة فإنه يواظب على عقد اجتماعات العمل مع أعضاء فريقه من أجل تحليل وتفسير النتائج من التجارب، ولا يكاد يخلو أي اجتماع من مناقشات عميقة لإيجاد الطرق المثلى لاستخلاص النتائج.

 كيف تقيم الدعم المقدم للبحث العلمي في جامعة حمد بن خليفة خصوصا، ودولة قطر عموما؟
أرى أن جامعة حمد بن خليفة تحرص دائما على توفير البيئة المثالية للقيام بأبحاث رفيعة المستوى في مختلف المجالات العلمية، حيث أنشئت كلية العلوم الصحية والحيوية لفهم آلية الأمراض من خلال دراسة البيولوجيا الجزيئية والجينوم، وهو ما قد يساعد في اكتشاف وتطوير علاجات نوعية وشخصية لتحسين الصحة من خلال تخصص الطب الدقيق.

وقد زودت الجامعة الباحثين بمختبرات مجهزة بأحدث المعدات التي تضمن إنتاج عمل بحثي منافس على الصعيد العالمي، وبالإضافة إلى بنيتها التحتية المتطورة نجحت جامعة حمد في استقطاب العديد من العلماء والأساتذة المرموقين الذين يساهمون في وضع مناهج تعليمية مبتكرة لتعليم الجيل الجديد من طلاب الماجستير والدكتوراه، كما يساهمون في إجراء بحوث علمية متميزة، سواء في مختبرات الكلية أو في مختبرات معهد قطر لبحوث الطب الحيوي. 

وما يحدث في دولة قطر عموما يعد حالة فريدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، حيت نجد زخما من العديد من المؤسسات الأكاديمية المختصة بالبحث العلمي الطبي أو السريري، مثل مؤسسة حمد الطبية، وكلية الطب بجامعة قطر، ومركز سدرة للطب، وجامعات المدينة التعليمية العريقة التي تلقى دعما من مؤسسة قطر، مثل وايل كورنيل للطب- قطر، بالإضافة طبعا إلى جامعة حمد بن خليفة.

وأعتقد أن وجود مثل هذه المؤسسات مجتمعة في مدينة واحدة يوفر منظومة غنية بالخبرات المتنوعة والضرورية لإقامة تعاون علمي من الدرجة الممتازة يؤمن إنجاز مشاريع بحثية ضخمة ذات مردود كبير وعالي الجودة.

 يتساءل الكثير من العرب: متى سنسمع خبر فوز عالم عربي بجائزة نوبل في الطب؟ وهل تعتقد أن هذا سيحدث قريبا؟ ولماذا؟
أعتقد أن فوز عالم عربي بجائزة نوبل للطب أصبح ممكنا لعوامل ومقومات عدة، فقد ازداد عدد العلماء من أصول عربية ممن يعملون في الجامعات والمؤسسات الغربية في مجال العلوم الطبية بشكل ملحوظ منذ أواخر القرن الماضي.

ومن جهة أخرى، باتت العديد من الحكومات العربية -خاصة في منطقة دول الخليج العربي- تقدر أهمية دعم البحث العلمي الطبي، وهو ما يتجلى في إنشاء جامعات معاصرة ومعاهد بحثية متخصصة واستقطاب العلماء العرب.

ويجب الإشارة إلى زيادة عدد الطلاب في الوطن العربي من الجيل الجديد الذين يرغبون ليس فقط في متابعة دراساتهم العليا، وإنما أيضا في إجراء بحوث علمية عالية المستوى في مجال العلوم الأساسية في الطب.

ومع ذلك، لا أستطيع الجزم بأن حصول عالم من أصل عربي على جائزة نوبل في الطب سيحدث قريبا، ولكن أستطيع أن أقول بثقة تامة إننا بدأنا نسلك الطريق الصحيح، وكما يقولون: طريق المئة ميل يبدأ بخطوة.

المصدر : الجزيرة