معالجو سرطان الثدي.. هل يحتاجون إلى دعم نفسي؟

د. حميد: تخفيف التوتر لدى الأطباء المعالجين للسرطان يمكن أن يتم عبر إنشاء "مجموعات حديث" لتفريغ الشحنات السلبية (الجزيرة)
د. حميد: تخفيف التوتر لدى الأطباء المعالجين للسرطان يمكن أن يتم عبر إنشاء "مجموعات حديث" لتفريغ الشحنات السلبية (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

في أحد أيام أكتوبر/تشرين الأول تضيء أشرطة وردية شاشة استقبال مركز علاج السرطان، في حين يعلو الوجوه في قاعات الانتظار حزن ممزوج بالدهشة حينا، وبالأمل حينا آخر.

يخيم الصمت على المكان بينما يشد الدكتور كريم حميد على يد أحد الأطباء الذي خرج للتو من غرفة العمليات، يرمقه بنظرة تعاطف لا تخطئها العين، يربت على كتفه، قبل أن يودعه بإشارة أصبع تشجيعية.

يقول هذا الاختصاصي النفسي في مركز الأنكولوجيا بالمستشفى الجامعي محمد السادس في مراكش للجزيرة نت إن "من صميم عملي أن أقدم الدعم النفسي للمرضى وأيضا لزملائي في العمل".

احتراق
يعاني المصابون بمرض السرطان من حالات نفسية تحتاج إلى مواكبة، ويزداد الأمر حينما يتعلق الأمر بسرطان الثدي الذي تشكل الإصابة به أعلى نسبة بين النساء في كل دول العالم.

وكشف المؤتمر الأوروبي لأمراض السرطان المنعقد في برشلونة بداية الشهر ازدياد حالات "متلازمة الإرهاق النفسي" عند أطباء سرطان الثدي، وطرح بقوة أهمية علاج هذا الأمر، وانعكاسه على شفاء المرضى.

ويشير الطبيب النفسي الدكتور أيمن قشوشي للجزيرة نت إلى أن إصابة أطباء السرطان بهذه المتلازمة مرتفعة، وتتراوح في أوروبا بين 35 و56%، في حين تزيد هذه النسبة في المغرب نظرا لبيئة العمل الأكثر صعوبة.

الدكتورة حسناء علوي محمدي: للثدي مكانة كبيرة في جسم المرأة لما له من رمزية مرتبطة بالحنان والأنوثة وأيضا بالخصوبة والحياة (الجزيرة)

تأثر
تزداد الحركة قليلا في الممر الرئيس بمركز علاج السرطان، يمر طبيب بردائه الأبيض مسرعا وعلامة التأثر بادية على وجهه، ينادي على مريضات ينتظرن دورهن، تنهض بعضهن مسرعات، في حين تجر أخريات أرجلهن جرا.

ويقول الطبيب الاختصاصي في أمراض السرطان والعلاج الإشعاعي البروفيسور عبد الحميد العمراني إنه من الطبيعة البشرية أن يتأثر الطبيب بحالة مريضه، لأنه يرى حالات مؤثرة، ويدرك تمام الإدراك مضاعفاته ومراحل علاجه الصعبة.

ويضيف للجزيرة نت أن الطبيب يحاول أن يبقى "محايدا" لكن ذلك غير ممكن من الناحية الإنسانية، وقد يعود من المستشفى متأثرا بحالة مرضية بسرطان ثدي، وينعكس ذلك على مزاجه داخل أسرته.

نون نسوة
الإصابة بسرطان الثدي تجربة مريرة تعيشها النساء قد تنتقل مرارتها إلى عدد من الطبيبات كما يؤكد الدكتور حميد، مشيرا إلى أن "التماهي" بين المعالِجة والمريضة تبرز أكثر في هذه الحالات لخصوصية العضو المصاب.

وتبرز الاختصاصية في علاج أمراض السرطان الدكتورة حسناء علوي محمدي للجزيرة نت أن للثدي مكانة كبيرة في جسم المرأة، لما له من رمزية مرتبطة بالحنان والأنوثة وأيضا بالخصوبة والحياة.

ويضيف الاختصاصي في أمراض النساء والتوليد الدكتور صفوان الصايغ للجزيرة نت أن إصابة امرأة بالمرض قد تحدث غمة في قلب أطباء أو طبيبات النساء قد لا تزيلها غير فرحة شفاء أو لحظات خروج مولود جديد إلى الحياة.

الدكتور كريم حميد: من صميم عملي أن أقدم الدعم النفسي للمرضى وأيضا لزملائي في العمل (الجزيرة)

اكتئاب
يقول الدكتور العمراني إن من أطباء السرطان من يدخلون في حالة اكتئاب ويصعب عليهم العودة إلى عملهم بسرعة، بل منهم من قد يتجهون إلى تخصصات أو مهن أخرى.

ويشرح الطبيب أيمن قشوشي أن الاكتئاب حالة نفسية أخطر من الإرهاق الوظيفي، مبرزا أن طبيب السرطان يجد نفسه أكثر من غيره في وضعية بتحديات كبيرة.

ويبرز أن أصعب ما يواجهه الطبيب هو خلق الثقة بينه وبين مرضى سيداومون على علاجه، وتقديم معلومة واضحة يؤطرها حق المريض في المعلومة وفي الاختيار واتخاذ القرار.

ويضيف أن عدم علاج حالة قد يعتبرها الطبيب فشلا شخصيا وضربا في مكانته الاعتبارية.

حديث
لا يتحدث أطباء السرطان بينهم كثيرا عن مشاكل الضغط في العمل ويركزون أكثر في عملهم، مما يستنزف طاقاتهم في بعض الأحيان، كما تؤكد الدكتورة حسناء علوي محمدي.

ويقول الدكتور الصايغ إن جهدا كبيرا يجب أن يبذل للتوعية بأهمية التشخيص المبكر للمرض.

ويشدد الدكتور قشوشي على أهمية إيجاد آلية لإخبار المريض، وذلك سعيا لتحسين لظروف العمل لأن ذلك يخفف العبء عن الطبيب.

ويؤكد أن الطبيب يمرض كأي إنسان آخر، وأن أي ضغط يمارس في حقه يصيب المؤسسة ولا يساعد في تحسين علاج المرضى.

الطبيب النفسي أيمن قشوشي: الاكتئاب حالة نفسية أخطر من الإرهاق الوظيفي وطبيب السرطان يجد نفسه أكثر من غيره في وضعية بتحديات كبيرة (الجزيرة)

مواكبة 
يستقبل الدكتور حميد في مكتبه داخل مركز الأنكولوجيا زميلا آخر له ويدخل معه في دردشة طويلة حول عمل اليوم.

ويوضح أن تخفيف التوتر يمكن أن يتم عبر إنشاء "مجموعات حديث" لتفريغ الشحنات السلبية، وفي الحالات الصعبة التوجه إلى الاختصائي أو الطبيب النفسي للاستشارة وطلب الدعم.

وتشير علوي محمد إلى أهمية وعي الطبيبة أو الطبيب بمهمته العلاجية ومدى تأثره بالأجواء، موضحة أن التحدث إلى زملاء المهنة أو الخروج في نزهة أو حضور جلسات مواكبة قد يخفف التوتر لدى الأطباء على الرغم من أن كل ذلك قد لا يكون متاحا في كل مرة.

المصدر : الجزيرة