كيف تؤثر التكنولوجيا على جودة النوم؟

كيف تؤثر التكنولوجيا على جودة النوم؟

التكنولوجيا الحديثة والهواتف المحمولة تؤثر سلبا على نومنا (الألمانية)
التكنولوجيا الحديثة والهواتف المحمولة تؤثر سلبا على نومنا (الألمانية)

ومن بين أسباب هذه الظاهرة، يشير الخبراء إلى تأثيرات التكنولوجيا الجديدة وتزايد الضغوط والتوتر.

وفي إسبانيا، أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء لعام 2005 أن معدل ساعات النوم لدى الإسبان هو 7.78 ساعات، كما أن نسبة الذين ينامون أقل من ست ساعات لم تكن حينها تتجاوز 7%.

لكن بعد عشر سنوات فقط، تم إجراء الإحصاءات نفسها المتعلقة بالعادات الغذائية ونظام النوم، وتبين أن معدل ساعات نوم الإسبان انخفض إلى 7.12 ساعات يوميا، ونسبة من ينامون أقل من ست ساعات ارتفعت إلى 10.7%، وذلك وفقا لتقرير كتبه خوسي بيشيل في صحيفة "الكونفيدنسيال" الإسبانية.

سفر
ووفقا لرئيس الجمعية الإسبانية للنوم أليخاندرو تكنوتوس إيراندو، فإنه يشيع بين المسافرين بالقطار أو الطائرة أن يخلد ثلثهم إلى النوم أثناء الرحلة، لكنه يقول إن "الكثير من المرضى الذين يأتون إلى عيادتنا يعانون من مشاكل النوم في الليل لأنهم ينامون خلال ساعات النهار، وهي علامة على أنهم لا ينعمون بنوم جيد أثناء الليل".

هذه المشكلة يمكن تفسيرها من خلال علم أمراض النوم، إذ إن الأرق -على سبيل المثال- يصبح عادة ويتحول إلى مشكلة مزمنة بالنسبة للكثيرين، خاصة ممن يعانون من هشاشة نفسية تجاه مصادر التوتر والمخاوف التي يواجهونها يوميا.

وهناك أيضا مشكلة انقطاع النفس المرتبطة بعيوب في الجهاز التنفسي، وهي لا تمنع نشاط الدماغ أثناء النوم ورؤية الأحلام، ولكنها تحولها إلى كوابيس.

والسبب الرئيسي وراء تقلص الوقت المخصص للراحة والنوم هو العادات السيئة التي انتشرت في المجتمعات المعاصرة، حيث يرى طبيب الأعصاب في وحدة النوم بمستشفى فالديبرون في برشلونة أليكس فيري مازو، أن ميل الناس إلى النوم ساعات أقل سببه الطبيعة الاستهلاكية للمجتمع.

مضيعة للوقت
في الحقيقة، يعتبر النوم بالنسبة لهؤلاء مضيعة للوقت مما يعني إضاعة المال، ولذلك يحرصون على الاستفادة من وقتهم ولو كان ذلك على حساب صحتهم.

وأضاف فيري مازو أن الناس عندما يتقدمون في السن يخسرون المزيد من ساعات نومهم، ولكنهم يصبحون أكثر تأقلما مع هذا الأمر. غير أن الشريحة التي تثير القلق هي شريحة المراهقين الذين يفترض بهم أن يناموا أكثر من تسع ساعات يوميا، ولكنهم لا يحصلون على هذه الساعات، كما أن عائلاتهم تتعامل معهم على أنهم راشدون في هذا الخصوص، رغم أنهم لا يزالون يحتاجون للنوم ساعات أكثر.

ووفقا لعالم الأعصاب الكاتب خوسي رامون ألونسو، فإن على المدارس تأخير موعد انطلاق الحصة الصباحية، إذ إن الساعة البيولوجية لدى البشر تختلف من شخص إلى آخر، كما أن العديد من المراهقين -بشكل خاص- يرتفع نشاطهم في الليل، وهذا يظهر في ميلهم إلى النوم في ساعة متأخرة، وعدم قدرتهم على الاستيقاظ في الصباح، وهو عكس عادات النوم لدى الأطفال الصغار.

ويضيف هذا الطبيب أن هؤلاء المراهقين بعد تجاوزهم سن العشرين، يتم تصحيح هذه المشكلة ويعودون إلى نسق النوم العادي، لكن إلى حين بلوغ تلك السن فإنهم يعانون من قلة فرص التمتع بنوم جيد. وقد أجريت تجربة في الولايات المتحدة أظهرت أن تأخير موعد الذهاب للمدرسة إلى حدود الساعة العاشرة صباحا، حسّن أداء الطلبة وعزّز صحتهم.

من جانبه، لا يتفق فيري مازو مع الفكرة الشائعة من حيث إن الجميع يجب أن يناموا ثماني ساعات، فهو يرى أن هذا مجرد معدل، وأنه يجب أن يختلف من شخص إلى آخر. 

عدد الساعات
ويعتبر الخبراء أن النوم مدة ست ساعات ونصف يوميا قد يكون كافيا لعدد كبير من الناس، لكن هناك آخرون يحتاجون إلى تسع ساعات أو عشر، خاصة بالنسبة للأطفال.

غير أن مشكلة كثير من الآباء هي أنهم لا يستطيعون تعويد أبنائهم على النوم منذ الساعة الثامنة مساء، ويقولون إن هذا غير ممكن بالنظر إلى نسق حياتهم وارتباطهم بالعمل والأنشطة المتعددة التي تمنعهم من تدريبهم على عادات نوم صحية.

إلى جانب الالتزامات المهنية والشخصية التي تحول دون العناية بجودة النوم، فإن وسائل الترفيه المنتشرة حاليا تؤثر هي الأخرى سلبا على هذا الأمر.

لذلك فإن مشاهدة الأفلام والمسلسلات والمتابعة المستمرة لشبكات التواصل الاجتماعي، كلها عادات تسبب تدهور علاقتنا بالنوم، والأمر هنا لا يتعلق فقط بالنشاط الذهني، بل أيضا بحقيقة كوننا نحدق في شاشات "الليد" في أجهزة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والتلفزيون.

فالأضواء الزرقاء والخضراء المنبعثة من هذه الشاشات تتميز بموجات طويلة تعرقل إنتاج أجسامنا لهرمون الميلاتونين الذي ننتجه عند حلول الظلام، وهو الذي يخبر جسمنا بأن وقت النوم قد حان.

فالبشر مجهزون بيولوجيا للنوم بعد مرور ساعتين من غروب الشمس، ولذلك لا ينصح باستخدام الهاتف قبل الذهاب إلى السرير، إذ نحتاج على الأقل إلى نصف ساعة من الجلوس في الظروف المواتية حتى نحظى بنوم جيد.

ويجب أن نتوجه نحو السرير بغرض النوم فقط، لا بغرض القراءة أو مشاهدة المسلسلات والأفلام أو التسوق عبر الإنترنت، إذ أصبحنا نعاني دوما من مشاكل النوم بسبب الإثارة والتحفيز الذي يتعرض له جهازنا العصبي خلال الليل.

هل الحل أيضا في التكنولوجيا؟
رغم غياب ثقافة النوم لدى أغلب الناس، يعتقد الدكتور فيري مازو أن هناك وعيا متزايدا بأهمية النوم.

ومن أبرز الأدوات التي تساهم في حل هذه المشكلة -بحسب رأي هذا الطبيب- هي الساعات والأساور الذكية التي تمكّن من متابعة النشاط اليومي، وترتبط بتطبيقات على الهاتف الذكي وتأخذ مختلف القياسات والتقييمات من نشاط الإنسان، مثل عدد الخطوات التي خطاها خلال اليوم ونبضات القلب وجودة النوم.

ويقول إنه "خلال الاستشارات الطبية، نرى أن الأشخاص الذين يلتزمون بمراقبة أنفسهم عبر هذه الأجهزة يحققون استفادة، حيث يصبحون أكثر وعيا بمدى تأثر جودة نومهم بنشاطهم اليومي".

في الواقع -بحسب أليخاندرو إيرانزو- فإن هذه الأجهزة المتطورة يمكن الوثوق بها. ولمعرفة ما إذا كان الإنسان نائما أو مستيقظا، يمكن وضع بعض الأقطاب الكهربائية فوق جمجمته، والنتائج التي يتم الحصول عليها تقدم تقديرات حول نشاطه، وبعد تحليل البيانات يمكن تحديد مختلف مراحل النوم والأحلام. ومع ذلك، فإن هذه البيانات لا تكون دقيقة عندما يعاني الشخص من الأرق وبقية اضطرابات النوم.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية