السمنة وسوء التغذية لدى الأطفال.. وجهان لعملة واحدة

دانا جارسيا (8 سنوات) من كولومبيا وتزن 90 كيلوغراما (رويترز)
دانا جارسيا (8 سنوات) من كولومبيا وتزن 90 كيلوغراما (رويترز)

عند الحديث عن الأطفال الذي يعانون من سوء التغذية، يتبادر إلى أذهاننا صور أولئك الصغار بعظام ظاهرة ووجه لا يظهر منه سوى العينين وعظام الخد.

في المقابل ننسى أحيانا المشكلة الغذائية الكبرى التي يواجهها عصرنا الحالي، وهي سوء التغذية المرتبط أساسا بالإفراط في الأكل، وبالتحديد زيادة الوزن والبدانة في مرحلة الطفولة، الناجم إلى حد كبير عن عادات الأكل السيئة.

فحتى إذا كان الطفل يأكل بما فيه الكفاية أو أكثر من حاجته، فليس بالضرورة أنه يتناول كل ما يحتاجه جسمه من حيث الحجم والطول لضمان نموه الكامل.

ولا يعتبر الوزن الزائد والسمنة المشكلة الوحيدة في الدول المتقدمة، حيث يتم الجمع بين الزيادة في استهلاك السكر والوجبات الجاهزة، جنبا إلى جنب مع نمط الحياة الخامل وقلة ممارسة التمارين البدنية، وفقا للكاتبة باتريثيا خارا في تقريرها الذي نشرته صحيفة "ألبايس" الإسبانية.

فمثلا تكافح أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي من أجل الحد من سوء التغذية المزمن لدى الأطفال، في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من هؤلاء الصغار من زيادة الوزن بشكل كبير.

وفرة
كما تؤثر هذه المشكلة على أولئك الذين يتمتعون بوفرة الموارد الاقتصادية، خاصة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، إذ تكون تغذية الأطفال غنية بالكربوهيدرات والسكريات والدهون. ويفترض ذلك استهلاك الكثير من السعرات الحرارية، مقابل نسبة ضئيلة من الفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية الضرورية للتغذية السليمة للجسم.

وأوردت الكاتبة أن تحقيق التوازن بين الوزن والطول خلال السنتين الأوليين من حياة الطفل يعد أمرا ضروريا لتجنب المشاكل مستقبلا.

فإذا كان الطفل دون السنتين يعاني من نقص التغذية بسبب كميات الطعام القليلة التي يتناولها، يعتاد جسمه على استهلاك عدد أقل من السعرات الحرارية. لكن، إذا كان يستهلك سعرات حرارية أكثر من المعتاد، فسيكون جسمه غير قادر على حرقها، مما يتسبب في تراكمها وتحويلها إلى دهون، وهو ما يؤدي تباعا إلى زيادة الوزن أو السمنة.

وتشير إحصاءات أميركا اللاتينية إلى أنه في الوقت الذي تُبذل فيه الجهود للقضاء على سوء التغذية المزمن الذي يصيب أكثر من سبعة ملايين طفل دون سن الخامسة، فضلا عن ارتفاع معدلات الإصابة بفقر الدم في أغلب بلدان هذه المنطقة، ازدادت معدلات السمنة في مرحلة الطفولة بشكل رهيب.

من ناحية أخرى، لم تكن هناك علاقة واضحة بين الحد من معدلات الفقر وزيادة الأمن الغذائي في المنطقة، الأمر الذي لم يسمح بتحسين البيانات المتعلقة بالتغذية.

أضافت الكاتبة أن نقص الأغذية الصحية في الدول المتخلفة اقتصاديا، ووفرة الأغذية التي تحتوي على الدهون والسكريات، وانخفاض أسعار الأغذية المصنعة مقابل ارتفاع أسعار الأغذية الصحية، كلها عوامل تساهم في تكوين البيئات التي تشجع على اتباع نظام غذائي سيئ.

إفراط أو تفريط
وسواء بسبب الإفراط أو النقص والتفريط، يؤدي سوء التغذية إلى مشاكل صحية خطيرة في الحاضر والمستقبل، مما ينجر عنه عواقب وخيمة على اقتصادات البلدان التي تعاني منها.

كما يعاني الطفل المصاب بسوء تغذية مزمن من ضعف جهاز المناعة، وبالتالي سيكون أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات ومواجهة مشاكل على مستوى التطور المعرفي لديه، مما سيؤثر على طريقة التعلم لديه.

من ناحية أخرى، يزيد سوء التغذية المرتبط بالإفراط في الأكل، والذي يتسبب في زيادة الوزن والسمنة، من خطر تطور الأمراض المزمنة على غرار السكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان.

ففي التشيلي، تضاعف عدد المرضى المصابين بداء السكري نحو ثلاث مرات في السنوات الخمس عشرة الماضية، كما يعاني حوالي 30% من ارتفاع ضغط الدم. وتعزى حوالي 11% من حالات الوفاة في البلاد إلى السمنة أو زيادة الوزن.

يعد هذا النوع من الأمراض المزمنة من أكثر الأمراض التي تستوجب المزيد من الموارد الاقتصادية واهتماما مهنيا متخصصا في الأنظمة الصحية. وعلى سبيل المثال، تتراوح تكلفة رعاية الشخص المصاب بالسكري من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف تكلفة الشخص الذي لا يعاني من هذا المرض. وفي سنة 2006، تراوحت النفقات بالنسبة لبعض بلدان أميركا اللاتينية بين 0.4% و2.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وسوء التغذية والسمنة يمثلان وجهين لعملة واحدة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، مما يجعل هذه المنطقة من العالم تواجه التحدي المتمثل في التصدي لهذه المشاكل تفاديا لمستقبل تنخفض فيه الإنتاجية وترتفع فيه النفقات الصحية التي يمكن أن تؤثر سلبا على نموها الاقتصادي.

لذلك من الضروري مواجهة جميع أشكال التغذية السيئة من خلال تعزيز أنظمة غذائية صحية تركز أساسا على البلدان الأكثر فقرا، بحيث يكون الطعام الذي يتناوله سكانها، والذي يستنزف جزءا كبيرا من دخلهم، صحيا ومغذيا، دون أن ننسى ضرورة تحفيز عادات الشراء لدى السكان، فضلا عن الإعداد والاستهلاك الصحي للأغذية، مع ضرورة تشجيع ثقافة الممارسة المنتظمة للرياضة البدنية.

المصدر : مواقع إلكترونية