عـاجـل: مراسل الجزيرة: اعتقال مرشح الرئاسة ورئيس حزب "قلب تونس" نبيل قروي وشقيقه بشبهة التهرب الضريبي والفساد

خدعة مرض السكري الكبرى

المزيد من نظريات المؤامرة، المزيد من الهراء، وهذه المرة مباشرة بشأن موضوع مرض السكري في فيديو يزعم أن حقيقة هذا المرض ليست كما نعرف، وأن ما تقوله الجمعية الأميركية للسكري كذب وغير صحيح، فما الحقيقة؟

في الفيديو -الذي نشر مؤخرا مترجما على يوتيوب ونرفق رابطه، كما يتناقل عبر واتساب- يظهر شخص يعرف بأنه الدكتور جيسون فانغ يشير إلى أن الجمعية الأميركية للسكري تقول إنه بالنسبة لمعظم الناس فإن مرض السكري هو مرض تدريجي (progressive disease)، (وهذا صحيح ومذكور في موقع الجمعية).

بعد هذه الجملة يتابع المتحدث في الفيديو قائلا "إذًا لا تحاول أن تتحسن، لا أمل، هم يخبرونك أنه لا أمل"، ثم يعرض معلومات عن شفاء المرضى بعد خضوعهم لجراحة تخفيض الوزن أو الحمية القاسية أو الصيام.

ويستمر الفيديو لعشر دقائق، ويتحدث فيه فانغ عن أن التركيز حاليا على الأدوية التي لا تعالج السكري، وأن العلاج هو عبر النظام الغذائي الصحي، ويوصل الفيديو رسالة إلى المشاهد هي أن الحقيقة ليس كما أُخبرنا بها، وأنه خُدعنا.

هذا الفيديو يمثل نموذجا مثاليا للطريقة التي تنشر فيها المغالطات الطبية أو ما يمكن تسميته العلم الكاذب، حيث تعرض معلومة صحيحة للحصول على ثقة المشاهد أولا، ثم تدمج مع معلومات خاطئة مع التركيز على نظرية المؤامرة التي قد يكون لشركات الأدوية أو شركات التطعيمات أو شركات العقاقير النفسية أو الكائنات الفضائية دور فيها.

فمثلا، لم تقل الجمعية الأميركية للسكري "لا تحاول أن تتحسن، لا أمل"، ولكن المشاهد عندما يعرض عليه الفيديو صورة من موقع الجمعية الأميركية للسكري فيها معلومة قالتها بالفعل فإنه لا ينتبه إلى أن ما قاله الفيديو لاحقا هو تأليف واستنتاج من عنده، والجمعية الأميركية لم تقل أبدا "لا أمل ولا تحاول التحسن".

والآن دعونا نبدأ بالحقائق، السكري مرض مزمن، ولكن ما هي الأمراض المزمنة؟ إنها مجموعة من الأمراض التي تسمى أيضا "الأمراض غير المعدية"، وهي أمراض لا تنتقل بالعدوى من شخص لآخر، وتستغرق عادة إصابة الشخص بها وتطورها فترة طويلة ضمن عملية بطيئة نسبيا.

وتشمل الأمراض المزمنة أربع مجموعات رئيسية، هي:

وبالنسبة للسكري فإنه مرض استقلابي يسببه نقص هرمون الإنسولين أو ضعف الاستجابة الطبيعية من خلايا الجسم للإنسولين الذي يُدخل السكر الموجود في الدم (الغلوكوز) إلى الخلايا، وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة متشابهة، إذ ترتفع مستويات الغلوكوز في الدم فوق الحد الطبيعي، ويؤدي ذلك إلى تأثيرات سلبية على الجسم.

وهناك نوعان رئيسيان من المرض:

  • داء السكري من النوع الأول، ويطلق عليه أيضا اسم "السكري المعتمد على الإنسولين" أو "سكري اليافعين"، وهو مرض مناعي ذاتي، إذ يقوم جهاز المناعة في الجسم بمهاجمة خلايا بيتا في البنكرياس ويدمرها، مما يؤدي إلى تراجع الكميات التي يفرزها البنكرياس من الإنسولين تدريجيا، وتمتد عملية التدمير هذه شهورا أو سنوات، وفي النهاية تصبح كمية الإنسولين قليلة للغاية، مما يؤدي لارتفاع الغلوكوز في الدم وظهور أعراض السكري.
  • ويتطلب علاج النوع الأول من السكري إعطاء المريض الإنسولين بالحقن أو مضخة الإنسولين، ويؤدي ذلك إلى انخفاض الغلوكوز في الدم والسيطرة عليه، ولا يوجد علاج شاف من هذا النوع، ولكن يأمل العلماء تطوير آلية لإنتاج خلايا بيتا جديدة لدى الأشخاص المصابين بهذا النوع من السكري من خلال أبحاث الخلايا الجذعية والطب التجددي.
  • داء السكري من النوع الثاني: ويطلق عليه اسم "السكري غير المعتمد على الإنسولين" أو"سكري البالغين"، وفيه تنخفض حساسية الخلايا للإنسولين، أي تقل درجة استجابة خلايا الجسم لهرمون الإنسولين، ويطلق على ذلك اسم "مقاومة الإنسولين"، فالخلايا تقاوم الإنسولين الذي وظيفته إدخال الغلوكوز إليها.

    وفي الأحوال الطبيعية يلتصق الإنسولين بالخلية مطلقا إشارة داخلها تأمر نوعا من النواقل بحمل الغلوكوز من سطح الخلية إلى داخلها، أما في حالة السكري من النوع الثاني فتحدث مقاومة للإنسولين تتمثل في إعاقة الإشارة التي يرسلها إلى داخل الخلية، مما يؤدي إلى عدم دخول الغلوكوز وتراكمه وارتفاعه في مجرى الدم.

    ويعمل البنكرياس -لحل هذه المشكلة- على زيادة إنتاجه من الإنسولين، وذلك ليعاكس تأثير مقاومته، وقد يستمر ذلك أشهرا أو سنوات، ولكن في النهاية تتنامى مقاومة الإنسولين، كما يصاب البنكرياس بالإرهاق وترتفع مستويات الغلوكوز في الدم.

    ويكون الأشخاص المصابون بهذا النوع عادة ذوي سمنة، ولذلك فإن خفض الوزن وتعديل النمط الغذائي هما أولى آليات العلاج، بالإضافة إلى أدوية بعضها يحفز إفراز الإنسولين من البنكرياس، وبعضها يزيد حساسية الخلايا للهرمون.

 

وهنا نأتي إلى صلب الموضوع، فبالنسبة للسكري من النوع الأول فإن المشكلة ليست لها علاقة بالغذاء، ولذلك حتى لو صام المصاب فإن عليه أن يتناول الإنسولين، والحقيقة فإن دعوة الشخص المصاب بالنوع الأول من السكري إلى عدم أخذ الإنسولين وتعديل غذائه فقط تعني الحكم بقتله.

أما بالنسبة للسكري من النوع الثاني فإن الأطباء عندما يشخصون مصابا به فإنهم في البداية يطلبون منه إجراء تعديلات في نمط الحياة للسيطرة على مستويات السكر في الدم، مثل:

وهذه النصائح كلها تساوي فعليا اتباع نظام غذائي صحي كالذي يدعو إليه الفيديو، وبالتالي فإن المتحدث في الفيديو لم يخترع شيئا جديدا أو يضف اكتشافا كونيا عندما قال إن على مريض السكري اتباع نظام غذائي صحي.

وأيضا، فإن الأطباء لا يخفون هذه النصائح عن المريض، ولا يوصونه بأكل السكر صباح مساء بعد تشخيصه بالسكري.

وعادة فإنه إذا كان مرض السكري من النوع الثاني في بداياته واتبع المريض هذه التوصيات وخفض وزنه فإن السكر يعود إلى مستوياته الطبيعي، ويجب على المصاب أن يتابع العمل بالتوصيات.

ولكن إذا لم يتمكن المريض من اتباع هذه الإرشادات أو بقي السكر مرتفعا رغم خفض الوزن فإنه يجب استخدام العلاجات الفموية والإنسولين للتحكم بسكر الدم.

كذلك يجب استخدام العلاجات إذا شخّص المرض في مرحلة متأخرة وكانت مستويات السكر مرتفعة بالفعل جدا مثل 300 مليغرام/ديسيلتر.

وبالنسبة للجراحة –جراحة تخفيف الوزن- فإنها بكل تأكيد أحد خيارات التعامل مع مرض السكري، ولكن عند الأشخاص الذين تنطبق عليهم شروط معينة، مثل:

  • أن يكون معامل كتلة الجسم لدى الشخص 40 أو أكثر.
  • أن يكون معامل كتلة الجسم 35-40، ويعاني المصاب من مرض وسوف يتحسن بفقدان الوزن مثل السكري من النوع الثاني أو ارتفاع ضغط الدم.
  • أن يكون الشخص قد حاول اتباع أساليب فقدان الوزن الصحية الأخرى، مثل اتباع نظام غذائي وممارسة الرياضة لكن دون نتائج معتبرة.

إذًا، إن جميع الأشياء التي قدمها الدكتور جيسون فانغ موجودة ويطبقها الأطباء بالفعل ولا توجد مؤامرة.

وهذه الفيديوهات في الحقيقة لا تفيد المرضى، ولكنها فقط تشيع جوا من عدم الثقة بين الطبيب والمريض، مما ينعكس سلبيا على صحة المريض نتيجة إهماله توصيات طبيبه.

ختاما، إذا كنت قد شُخصت بالسكري من النوع الثاني فإن رسالتنا لك: أنت الأمل، لا تحزن أو تبتئس، يمكنك الحفاظ على صحتك، ومع التقدم الطبي الحديث يمكنك بكل تأكيد الحفاظ على صحتك، التزم بإرشادات الطبيب وتوصياته، خفض وزنك بطريقة صحية لا عبر الصيام أو الطرق الجنونية والحميات الشعبية المضرة.

وإن طبيبك موجود لخدمتك، وهو لا يتآمر عليك، اسأله عن جراحات الوزن وهل تناسبك، وتذكر أن لكل جراحة مخاطر، لذلك يجب تقييم ما إذا كانت الفوائد المتوقعة تساوي المخاطر أم لا.

ختاما، نتمنى لك الصحة الجيدة والعمر المديد.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة,مواقع إلكترونية